أنا لا أفهم من هذه الأحاديث أن فلان بعينه كتب من أهل النار وانتهى ، وهو لم يولد بعد! إنما أفهم أن الله خلق الجنة تسع كل عباده ، وكذلك النار، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…يجب شرح مثل تلك الأحاديث بحيث تنفي من النفس والعقل بأن الله عنده ظلم !! لأن هذه الأحاديث تشرح قانون الله بعباده بالمجمل ، و "يمحو الله ما يشاء ويثبت "
وهذا جواب عما تساءل عنه حفظه الله حول أحاديث تتعلق بالقضاء !
بداية أعرض تصويبا سريعا لما جاء في العبارة لخطورته:
لم لا يكون فلان بعينه قد كتب إما من أهل الجنة أو من أهل النار؟ ولم اقتصر الأمر على إيجاد كل من الجنة والنار دون الإحاطة بأهل كل منهما ؟ ما ذكر بهذا الشأن فيه من الصواب أن الجنة تسع الجميع ، وأن النار كذلك ! وفيه كذلك أن الإنسان قد خير ليسلك الطريق الموصلة إلى الجنة أو الطريق التي توصل إلى النار ، وقد أعطي الاختيار في الاختيار ! وهذا صحيح ، وقد أهّل الإنسان خَلقا ليقوم بأعمال صالحة أو طالحة " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها " وخذ اللسان مثلا ، يمكن أن تنطلق منه كلمة الإيمان وكلمة الكفر ! من الحقائق أن علم الله شامل ويتعلق أزلا بالواجبات والجائزات والمستحيلات على ما هي عليه ، وتعلق العلم تعلق انكشاف ن فلو علمت أنك في المستشفى – مثلا – فليس علمي بذلك هو الذي أدخلك المستشفى ، وإنما دخولك كان بسبب غير علمي فيك !! وهنا نؤكد أن علم الله بالأشياء أزلي قبل وجودها ، لأن علمه ذاتي ، وعلمنا إن تعلق بما سيقع فمن باب الإخبار ، أو من باب التوقع ، ولا إخبار بالنسبة لعلم الله ، ولا توقع ، وهنا نرى الفرق بين العلم الذاتي والمكتسب ! قد أخبرنا أن أبا لهب سيصلى نارا ، وذلك قبل أن يرحل أبو لهب عن ساحة الحياة إلى النار ، وما أخبرنا بذلك إلا لعلمه بأنه سيموت على كفره وعناده ، وهذا كما ترى رصد لحركة الوجود والإحاطة بها علما ، قبل وجودها ، ومع وجودها ، وبعد وجودها ، وهذا ما عرفناه عن علم الله علام الغيوب ! أرى أن الأمر ليكون مستوعبا ينبغي ان نحدد ان صفة العلم صفة كاشفة ، وليست مجبرة ، وهذا المعنى عقلي بحت ، وهذا يجلي أن أبا لهب لم يكن كافرا إلا باختياره المذموم ، وأن علم الله فيه لم يجبره على ذلك أبدا ، بل لم نكن نعلم أن الله يعلم أن مصيره إلى النار لولا أنه اخبرنا نصا بذلك ! أحدد هنا مواضع ما يكتب على العبد ، وهو الذي وقع فيه الإشكال ، وأركز على أن الكتابة لا تعدو تسجيلا لما يعلم الكاتب ، فهي ترصد ما تعلق به علمه ، وليست الكتابة على هذا مجبرة على الإطلاق ، لرجوعها إلى العلم ، فحيث أعلم أنك ستسافر غدا فليس علمي هو الذي يدفعك إلى السفر ، إنما تعلق علمي بسفرك قبل أن تسافر لأنك تريد أن تسافر ، فعلمي بذلك لا يلغي إرادتك ، ثم إني سجلت ما علمت في سجلي ، وبعد أن سافرت ، وظهر مل علمت وسجلت ، قلت لك: قد أحطت علما بسفرك وسجلته ! ويظل الفارق بين علم الإنسان وعلم الله تعالى أن علمه تعالى ذاتي ، وليس مكتسبا ، بخلاف علم الإنسان ! بلغنا أن الله كتب " كل شيء " في اللوح المحفوظ ، حتى القرآن الذي سينزله على الرسول صلى الله عليه وسلم ،وهذا الكتابة بناء على ما أحاط الله به علما ، وذلك قبل خلق الخلق ، ورفعت الأقلام وجفت الصحف ، وما موقفنا هنا منها إلا أننا آمنا بها ، ولا ندري ما مضامينها ، وقد تعلقت بالجزئيات والكليات ! إلا أننا ندري منها ما ظهر لنا في عالم الشهادة ، فبعد الوقوع نعلم قطعا أن هذا مكتوب ! بلغنا أن الملك يرسل حال كون ابن آدم جنينا في الرحم ، ويؤمر بكتب الرزق والأجل وشقي او سعيد ، وهذه الكتابة شبه تلخيص مركز لما في اللوح ، وإذا كان ما في اللوح من العلم ، وهو غير مجبر، فهذه الكتابة التي نؤمن بها إيمانا بالغيب كذلك ! وفدنا إلى رحاب دار التكليف ، ودخلنا في البلوغ ، وهناك من يكتب علينا أعمالنا واقوالنا ، وهكذا إلى انتهاء الأجل ، ثم يختم الكتاب ، ولا يلحق به شيء إلا ما كان من صدقة جارية أو عملا يتصل ثوابه بالمسلم بعد موته ! السؤال العريض الآن : على أي الكتابات نحسب يوم القيامة ؟ علما أنها لا تتعارض فيما بينها من حيث المضامين ؟ أعلى ما كتب علينا قبل أن نخلق ؟ أم عند خلقنا أجنة في بطون أمهاتنا ؟ أم على ما تكتبه الملائكة علينا مما هو من كسبنا ، وباختيارنا ؟
* والجواب السديد هنا ينسف كل خاطر يدور في هذا الفلك مما يفسد علينا تصورنا ؟
* ثبوت الحساب بنصوص كثيرة ، وما يكون يه من تفاصيل يؤكد أن الأسئلة تنصب على ما فعلت وما قلت ؟ وهذا يكشف عن أنها اسئلة تنصب على ما بدر من الإنسان ، ولا ترجع إلى ما سطر عليه في اللوح ، أو إبان الحياة الجنينية ؟
* جاءت النصوص الآتية التي تؤكد هذه الحقيقة ، وهي من الوضوح بمكان حيث لا تحتاج إلى أي توضيح ، وكلها تؤكد أن ما كتب قبل الوجود وقبل البلوغ ليس سوى رصد لما سيكون مما أحاط الله به علما : ثمة تتمة
" وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا "
" يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا "
" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ "
" وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ "
" إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ "
" يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ "
" يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ"
** ومن معين الأحاديث نختار بعضها مما يفي بالغرض :
" و تعرضون على الله و على أفواهكم الفدام و أن أول من يعرب عن أحدكم فخذه و تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم : { و ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم }
الفدام بالكسر : مصفاة صغيرة أو خرقة تجعل على فم الابريق ، ليصفي بها ما فيه ، الفدام : ما يشد على فم الابريق والكوز من خرقة لتصفية
الشراب الذي فيه ، أي يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم
فشبه ذلك بالفدام .
فما ذكر من آيات ، وغيرها الكثير ، وأحاديث ، يقطع بسعة علم الله تعالى ، وأنه لا يعزب عن علمه ذرة ، وأن علمه أزلي ، وأن الكتابة لا تعني الإجبار ، ولا تنفي الاختيار ، وأن من يرى أن علمه الله لاتعلق بالأفراد ، وانه لايعدو أنه خلق الجنة واسعة وكذا النار ، وان ما وراء ذلك لم يتعلق به علمه سبحانه ، فقد أبعد عن الصواب وترد عليه مئات النصوص والحقائق المتعلقة بالله وصفاته ! من الخطورة بمكان أن يبني المسلم موقفه من الحقائق الإيمانية على المقايسة الخفية التي تستدعي إحاطة بما لا يحاط به ، فيتجه إلى أن هذا لا يعقله ، من حيث إن عقله لم يقدر عليه ، لأنه هو لا يستوعب الحقيقة الإيمانية التي تقضي بإحاطة الله بالأشياء جملة وتفصيلا !! وعلى بعض ما تقدم نرى أنه لاتعارض بين الكتابة وما ذكره الأخ الفاضل في تساؤله من الاختيار الذي منحه الله للعباد ، لأن الكتابة ليست مجبرة ، لأنها وصف لما سيكون عليه العبد، وقبل أن يخلق العبد ، وهي مبنية على تعلق علم الله تعالى ،لأن علم الله من الأزل
