ما هو الحكم الشرعي في إثبات دخول الشهر القمري بالحساب الفلكي ؟ وهل يعتد به في إثبات بداية شهر رمضان للصيام وفي إثبات بداية شهر شوال للإفطار ؟ أم يجب فقط تحري بداية الشهر بالرؤية العينية المجردة للهلال ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الكريم / …..
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
لإثبات الهلال –كما نص الفقهاء- طريقتان :
الرؤية بالعين , من الجم الفقير , أو رؤية عدلين , أو رؤية عدل واحد , على اختلاف بين الفقهاء . إكمال الشهر ثلاثين , لأن الشهر إما تسعة وعشرون، أو ثلاثون يوما , كما جاء في الحديث الشريف … حيث قال –صلى الله عليه وسلم- " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " وصيغة الجمع في الأمرين "صوموا وأفطروا" تؤنس بعدم اعتبار اختلاف المطالع , فإذا رؤي في قطر لزم سائر الأقطار , وإن تباعدت , واختلفت مطالعها , كما عليه الجمهور . إذا لم ير الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان , أو من رمضان , أكمل الشهر ثلاثين , فعن ابن عمر –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال : "الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه , فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وعلى هذا , إن تبين في نهاية رمضان أن شعبان كان ناقصا , وجب قضاء اليوم الذي غمّ فيه الهلال , وقبل أن أسطر مجموعة من الحقائق هنا أذكر ما جاء عن المذاهب بخصوص ارتباط الصيام والفطر بالهلال رؤية، لا حسابا . المشهور عن الشافعي أنه لا يصام إلا برؤية فاشية , أو شهادة عادلة , كالذي عليه الجمهور . المعتمد عند الأحناف أن شرط وجوب الصوم والإفطار رؤية الهلال , ولا عبرة بقول المؤقتين ولو عدولا , ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع . منع الأمام مالك من اعتماد الحساب في إثبات الهلال , فقال : إن الإمام الذي يعتمد على الحساب لا يقتدى به , ولا يتبع . وبين أبو الوليد الباجي حكم صيام من اعتمد على الحساب : فقال : فإن فعل ذلك أحد , فالذي عندي انه لا يعتد بما صام منه على الحساب , ويرجع إلى الرؤية وإكمال العدد… لا يعتمد الحنابلة الحساب الفلكي في إثبات هلال رمضان، ولو كثرت إصابته . وقال النووي : قال أصحابنا وغيرهم : لا يجب صوم رمضان إلا بدخوله , ويعلم دخوله برؤية الهلال . فإن غمّ وجب استكمال شعبان ثلاثين , ثم يصومون، سواء كانت السماء مصحيّة أو مغيّمة , وفي هذا حصر طرق إثبات هلال رمضان في الرؤية وإكمال شعبان ثلاثين , وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب .
علي أنا قبل أن نأتي بقول القائلين باعتماد الحساب في إثبات الأهله نذكر عدة مسائل : نقل القرافي قولا آخر للمالكية بجواز اعتماد الحساب في إثبات الأهلة . عن مطرف بن عبد الله أن العارف بالحساب يعمل به في نفسه . وقال القشيري : إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلا , فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي , وليس حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم … إذ إن الهلال قد طلع , لكن هناك مانع منع من الرؤية , واستدل على الطلوع بالحساب … ونقل القليوبي عن العبادي قوله : إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال , لم يقبل قول العدول برؤيته , وترد شهادتهم , ولا يجوز الصوم حينئذ .
والآن إليك بعض الاستنتاجات :
أن النص الشرعي قد ربط بدء الصيام برؤية هلال رمضان , أو إكمال شعبان إن تعذرت الرؤية لعارض في السماء . الأصل في إثبات الهلال بالعين المجردة , ولعل إضافة ما يقوي الرؤية كمكبر لا يمنع . إذا رؤي الهلال في أفق لزم كل الآفاق أن تصوم , مع اختلاف المطالع فيها , لا سيما ونحن في عصر يسرت فيه وسائل الاتصال , على أن من الأئمة من راعى اختلاف المطالع , وله أدلة على ذلك , وعليه فلو لم تلتزم بلد بالصيام حيث لم ير فيها الهلال , فلها ذلك إذا اختلف مطلعها عن مطلع البلد الأخرى , وقد رؤي هناك الهلال , وعلينا أن لا نستهول ذلك لرجوعه إلى أصل شرعي , وإن كنا نميل ميلا كاملا إلى توحيد الأمة في عبادة الصوم وأفراح العيد، خاصة في عصر عملت فيه سكاكين التفريق والتمزيق عملها , فمراعاة مذهب الجمهور بعدم اعتبار اختلاف المطالع أولى . مضى قرون على الأمة , وهي تصوم وتفطر على رصد الهلال رؤية بالعين , ويحتشد الكثيرون مع مطالع رمضان يتحرون الهلال , وفي هذا عبادة , وهناك من تمرس بالتحري وامتلك مهارة فائقة قلما تخطيء في رصد الهلال . هذا التكليف ينسجم مع كل الآفاق , و الأوقات , مادام هناك عيون ترى , والمرئي ظاهرة كونية راسخة في الوجود , وينسجم مع عالمية الإسلام , وصلاحية لكل زمان ومكان , حيث لا يعتبر علم الحساب ولا المراصد … هذا التكليف على يسره , وبساطته , وقربه من الممارسة أولى من أن يسند الأمر إلى علم اختص به أناس مهما كان منضبطا , خاصة أن النصوص قد انصبت عليه , وقد نفاجأ بين الحين والآخر باختلاف علماء الفلك وأرباب الحساب أنفسهم فيما بينهم … ولعلي لا أبعد هنا إذا سقت الحديث الذي اختلف في تأويل فقرة منه اختلافا بني على أحد طرفيه التوجه إلى تبني الحساب …
عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان , فقال : " لا تصوموا حتى تروا الهلال , ولا تفطروا حتى تروه , فإن غمّ عليكم فاقدروا له"
قال ابن سريج "فاقدروا له" خطاب لمن خصه الله بعلم الحساب , وقوله في الحديث الآخر "فاكملوا العدة" خطاب للعامة .
وذهب الأئمة في تفسير "فاقدروا له" إلى حمل التقدير على إتمامهم الشهر , وإلى معنى تضييق عدد أيام الشهر , والمعنى الأول ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور السلف والخلف , وقل نقل عن ابن عمر أنه يصبح مفطرا إذا كانت السماء صاحية , وصائما إذا كانت مغيمة , يتأول قول النبي "فاقدروا" إلى إتمام الشهر ثلاثين .وفي البخاري رواية فيها أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال : الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه , فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وفيه أيضا حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته , فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" وقد أيد ابن رشد تفسير البخاري , وعلله بأن التقدير يكون بمعنى "التمام" وواضح من الحديث الأول الذي بدأت به في هذه الفقرة أنه قد علق بداية الصيام والشروع في الإفطار برؤية الهلال , وعند تعذر الرؤية بغيم يحجب الهلال قال : فإن غمّ عليكم فاقدروا له" ورجح تفسير "فاقدروا" أكملوا بالشواهد السابقة ..
وختاما , حيث ترجح بل اتضح أمر الشريعة ما كلفتنا بحساب الفلك بل برؤية الهلال , وحيث كان أمر الرؤية ميسرا , وكان الهلال المتحرى ظاهرة كونية لا تخفى غالبا , فلم – يا ترى – يعرّج على إلغاء الرؤية , والتوجه إلى ما لا نكلف به , علما أننا بهذا لا ننتقل من شاق إلى ميسر مثلا , بل من نص إلى وسيلة مطروحة يراد منها إلغاء عبادة التحري , ووظيفة العين , مع أن الحساب نفسه لا يرفع الخلاف كما نرى البلاد التي تناكف في مسألة الصيام وتأبى إلا الشذوذ تحت شعار الحساب وعلم الفلك , ونرى دولتين تتبنيان هذا الحساب مع اختلاف واضح بينهما …
