وانفض الجمع الحاشد بعدما شحنوا بأطنان من التخويف ، وما كان للقلوب أن تتحمل ذرة منه دون أن تصعق ، لولا أن الهواء والماء والنبات كلها كانت كتلا من التخويف حتى صار عضوا في النفوس كالقلب في الصدر والأظفار في الأقداموأشرقت الشمس ، لكنها لم تكن على ما كانت عليه من قبل ، وخلال عشرات السنين الماضية ظهرت أشجار السرو تحمل فاكهة الكمثرى بصورة مذهلة أجل حمل السرو الكمثرى وأطل الطاغية على الساحة التي ملأها البارحة رعدا من شره ، وبرقا من وعيده ، وصواعق من بطشه ، حيث جُمع له الناس فيها ، فرآهم حينها قطعانا من المواشي كانوا في نظره رؤوسا بلا أدمغة ،وعقولا بلا تفكير ، وبدت الساحة التي طمرها بصخبه وضجيجه ، وملأ قلوب الناس رعبا حتى الاختناق ، قد عجت أشجار سروها بالكمثرى فدل على أن التغيير ليس مستحيلا كما توهم الطاغية ، وكان ذلك لما هبّ الشباب ليلا بهمة عالية ، فعلقوا على الأشجار مما جمعوا من فاكهة الكمثرى وانطلق التغيير، فلم تمض أيام حتى غلبت صيحات الحق على الأجواء ، وانطلق طلاب الحياة والكرامة يلاحقون المجرم وجنوده ، وظهرت خاتمة الانطلاقة الطاغية يحاكم وتطلق عليه رصاصات أنهت ظلمه الفاحش ،وبقيت سيرته العفنة تملأ أنوف الحياة أجل حملت أشجار السرو الكمثرى ، حين كان يرى استحالة ذلك ، حملت لما خلع الناس ثياب الخنوع ، ورأوا أن الذليل ليس من الحياة في شيء بل الأعزاء هم الأحياء