كم سنوفر من الجهد في سبيل ما يستهلك ، ويفنى ، ونوجهه إلى ما يسعد ويبقى ، وبالحياة يرقى ، فكم من بطن متخمة ، آذاها ما اكتظ فيها مما لا تحتاج إليه ، وإلى جوارها بطون طاوية يعوي في جنباتها الجوع وهذه من البصائر المرشدة إلى السلوك الرباني الراقي قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القديرعند قوله صلى الله عليه وسلم ليكفِ الرجلُ منكم كزادِ الراكب يعني لِيَكفِكَ من الدنيا ما يبلغك إلى الآخرة ، فالمؤمن يتزود منها ، والفاجر يستمتع فيها ، والأصل أن من امتلأ قلبه بالإيمان استغنى عن كثير من مؤن دنياه ، واحتمل المشاق في تكثير مؤن أخراه وفيه تنبيه على أن الإنسان مسافر لا قرار له ، فيحمل ما يبلغه المنزلة بين يديه مرحلة مرحلة ويقتصر عليه وبهذا التصور نبصر روعة التطبيق علاقة الإنسان بالدنيا لا تختلف عبر القرون ، فهي هي ، من تصورها دائمة عمل بما يقتضيه هذا التصور ، واستغرقته هذا الفانية وما زال غارقا حتى يضربه الموت ، ويدعوه إلى الخروج منها على اختناق ، قد امتلأ جوفه بأول أكسيد الكربون أو ثانيه ، سواء وهذا ما سطر في كتب سابقة مما اعتنت بالحكمة مما ورد في بعض الكتب المنزلة ابنَ آدم خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ من الهم أضعافهما أروع من تقدم لنا النصيحة في قالب التطبيق ومن هذه النصائح التي تقدم عبر السلوك أنه كان بعض العارفين إذا انقضى فصل الشتاء أو الصيف يتصرف في الثياب الذي يلبسها في ذلك الفصل ولا يدخرها إلى الفصل الآخر وهو كما قال العلماء مقام عيسوي ، فإن المسيح عليه السلام لم تكن له ثياب تطوى زيادة على ما عليه من جبة صوف أو قطن ، وكانت مخدته ذراعيه ، وقصعته بطنه، ووضع مرةً لبنة على لبنة من طين تحت رأسه فقيل له قد رغبت يا عيسى في الدنيا بعد ذلك الزهد فرمى بهما، واستغفر وتابقلت هذه النبضة سيقول الجميع إلا النادر أليس هذا من المغالاة في ترك الدنيا والتطرف في التعامل معها صحيح هذا الاعتراض ، ولكن من اعترض عليه أن يقف قبالة ماهو عليه من التعامل ، فهل هو متطرف في الجهة المتورمة ، إذا كان ما عرض من التطرف في الجلدة والعظمة هذا هو الدرس هذا هو الدرس ولا نقف عند الاعتراض وحده