لست مع الأسماء المذكورة عينا ، وإنما مع لب الواقعة ، ليكون لنا من الموقف الكامل بصائر ومصابيح نرى بها سلوك الشارد عن رحاب الله ، واللائذ بجلاله سبحانه ولنقطف الثمرة بما يعود على الظالم بالتوبة ،وعلى المظلوم بالصبر والاحتساب واللجأ إلى الله ليكفينا شر الأشرار أدخل سعيد بن جبير على الحجاج ، فقال له ما اسمك قال سَعِيد بن جبير قال أنت شقي بن كسير قال بل أمي كانت أعلم باسمي منك قال شقيت أنت وشقيت أمك قال الغيب يعلمه غيركقال لأبدلنّك بالدنيا نارا تلظى قال لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها قال فما قولك في محمد قال نبي الرحمة وإمام الهدى قال فما قولك في الخلفاء قال لست عليهم بوكيل قال فأيهم أعجب إليك قال أرضاهم لخالقي قال فأيهم أرضى للخالق قال علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم قال أبيت أن تصدقني قال إني لم أحب أن أكذبك قال فما بالك لم تضحك قال وكيف يضحك مخلوق خلق من الطين ، والطين تأكله النار قال فما بالنا نضحك قال لم تستو القلوب قال ثم أمر الحجاج بأموال متنوعة الأجناس، فجمعها بين يدي سَعِيد بن جبير ، فقال له سَعِيد إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح ، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا فقال الحجاج ويلك يا سَعِيد فقال سَعِيد الويل لمن زحرح عن الجنة وأدخل النار قال الحجاج اختر يا سَعِيد ، أي قتلة تريد أن أقتلك قال اختر لنفسك يا حجاج ، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك مثلها في الآخرة قال فتريد أن أعفو عنك قال إن كان العفو فمن الله ، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر قال اذهبوا به فاقتلوه فلما خرج من الباب ضحك ، فأخبر الحجاج بذلك ، فأمر برده فقال ما أضحكك قال عجبت من جرأتك على الله ، وحلم الله عنك فأمر بالنطع فبسط فقال اقتلوه فقال سَعِيد وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما ، وما أنا من المشركين قال شدوا به لغير القبلة قال سَعِيد فأينما تولوا فثم وجه الله قال كبوه لوجهه قال سَعِيد منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى قال الحجاج اذبحوه قال سَعِيد أما إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة ثم دعا سَعِيد الله وَقَال اللهم ، لا تسلطه على أحد يقتله بعدي فذبح على النطع رحمة الله عليه ، قال وبلغنا أن الحجاج عاش بعده خمس عشرة ليلة ،وذكروا أنه كان ينادي بقية حياته مالي ولسَعِيد بن جبير ، كلما أردت النوم أخذ برجلي قال سفيان لم يقتل بعد سَعِيد بن جبير إلا رجلا واحدًا