مصباح ينير لنا الطريق ، وجرعة وافية من مناهل التوحيد هل لنا أن نفهم من النص التالي ما سأذكره وما الذي يمكن أن نتعلمه من قوله تعالى في زكريا عليه السلام لما بشر بيحيى عليه السلام قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ و قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا الذي ذكر أكثر من مرة ، علما أنه من الأمور الخاصة به ، أنت ترى أنه سأل الله تعالى ما الوجه الذي به يحقيق ما بشر به لأنه قد طعن في السن وكانت امرأته عاقرا فالأسباب التي أقامها الله سنة من سننه في الخلق مفقودة لدى الزوجين معا ، وقد قال العلماء كون زكريا قد بلغ من الكبر عتيا لا يمنع من الإنجاب ، وسر ذكره زوجته هنا لئلا يحرجها بكونها عاقرا ، وهذا المعنى يحصل بين الزوجين اللذين يتأخر إنجابهما ، فإذا كل منهما يحيل السبب على صاحبه ولعمر الحق هي لفتة رائعة وهنا نجد النصَ يعالن الأمة لنفهم منه إذا عدمتم الأسباب التي أقامها الله لتبلغوا بها ما تطمحون إليه ، وقد سعيتم إليها كل السعي ، فلا يدخلنكم فقد الأسباب في بؤرة اليأس من عطاء الله الذي ترجونه ، فإن الأسباب في حقكم مطلوب أن تأخذوا بها ، وأما مع قدرة الله فوجودها وفقدها سواء فعلقوا القلوب على هذا بمن أمره فوق الأسباب إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ كذلك من بدائه التوحيد أن الله تعالى تفرد بالخلق ، وأنه يخلق من العدم بأمره الكوني كن وأنه غني عن الأسباب ، وأن سنته في الخلق عبر الأسباب لتقوم هذه الدنيا على ما شاء من كون الأسباب من مظاهر حكمته وأن الأسباب ثابتة بإثباته ، وأن عالمها عالم الحكمة ، وأنها ليست شريكة مع الله في التأثير ، بل من أثبتها فقد أثبت الحكمة ، ومن نفاها فقد عطل الحكمة ، ومن نسب لها التأثير مع الله فقد أشرك بالله لا يسوغ اليأس ممن علم أن الله على كل شيء قدير وأن الله غني عن الأسباب فيما يريد تكوينه، بل هو خالقها ، وخالق ثمراتها