، آخر مسجد كان يخلو من الوهابية فى الحى الذى أسكن فيه، كنت أصلى فيه بعيدا عن الفتن والأفكار الشاذة المنتشرة فى مساجد الحى، وفى صلاة الجمعة وجدت شابا صغيرا من حُدَثاء الأسنان بدأ الخطبة التى كانت عن التوبة، وخلال كلامه تفرع الى الشرك ومن يقولون (مدد يا رسول الله)، وصبرت ربما ينتهى سريعا ويعود الى موضوع الخطبة، فبدأ يتكلم فى الآية الكريمة "ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى" ويشبه المسلمين الذين يزورون الأضرحة والأولياء بهذه العبادة ويتكلم عن القبوريين، فوجدت نفسى أقوم وأتجه الى خارج المسجد ثم وقفت أمام المنبر وقلت له (ايه اللى انت بتقوله، الآية عن المشركين والأصنام خلتونا مشركين الله يخرب بيوتكم) واخذت نعلى ووقفت على باب المسجد أقول للناس (شياطين فى المساجد وعلى المنابر) وانصرفت الى المنزل، والحقيقة أنى أراجع نفسى فيما فعلت وأحاول أن أقَيِّم الأمر فى عملية الأمر بالمعروف وتغيير المنكر وموازينها وضوابطها، وأنظر من ناحية أخرى إلى فتنتهم وشدتها وما ستؤدى إليه من استحلال الدم كما حدث فى الماضى منذ نشأة الحركة الوهابية، وما بدأ يتجدد الآن من هدم للمساجد التى بها أضرحة وإزهاق الأرواح بإسم التوحيد … ألتمس رأى فضيلتكم فى هذا الموقف، وفى كيفية التعامل مع أهل البدع بوجه عام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تفهمت ما كنت عليه ، وأنت تستمع إلى ما يقوله هؤلاء ، ودريت أنك قد امتلأت غضبا مما طرحه الخطيب فحملك على القيام ، والمواجهة للخطيب ، والمغادرة !
هذا الخطيب ليس بدعة في هذا المذهب ، وإنما هو حلقة من سلسلة طويلة عبر مئات السنين .
لا يسوغ مثل ما فعلت لعلاج هذا التوجه ،وإنما طريق التخفيف منه ، دون القضاء عليه لأن جذوره ضاربة في نفوس ، وتغذى باستمرار، هو تفنيد ما يزعمون ، وتقريب ذلك للناس لحمايتهم من لوثتهم !
العرض الهاديء الواعي هو السبيل ، والأكثر تأثيرا ، من الحرارة في الموقف ، ولعل مواجهة الخطيب يترك أثرين : الأول هو أن الخطيب يزداد في تعنته ، لو كان بالإمكان أن نأتي إلى الخطيب ، وهذا يتطلب طاقة نفسية علمية ، فنعتذر عما فعلنا ، ونبين أنه لم يكن مصيبا في طرحه ، ونبين له موطن الخطأ ، والصواب الذي نراه ، وفي الثنايا نشيد بقدرته على الخطابة ، وأنها سلاح لنصرة الصواب ، وهذا من الدغدغة النفسية المهمة ، أقول إذا كان بالإمكان ذلك فلعله من الصواب ، ونقصد أن يترك ما هو عليه ، بل تحجيمه على اقل تقدير ! ونكون قد أغريناه باللجاج فيما هو فيه ولو لم نقصد ، والثاني : هو أن من المستمعين ربما لم يكن يتابع ما يقول الخطيب ، وموقفك أثار فيه ما كان عنه غافلا !
لا يسوغ نهي عن منكر يأتي بعكس مراد الناهي ، ونسلك له مسلك الخروج من المسجد على الصورة التي ذكرت !
لا ننس هنا أن هناك من يسلك مسالك لا تقرها الشريعة ، ولعل كل الشيعة يقعون مع القبور ما تنكره أبسط حقائق التوحيد ، ولو أحسنا العرض لحمينا أهل السنة من هذا السقوط المشين الذي يخدش التوحيد إن لم ينقضه !
أرجو أن أكون بينت ما أراه من رؤيتي للموقف الذي تفضلت به وفقك الله سيدي لكل خير !
