قلوبهم خلاياها عارفة بجلال الله ، تتدلى من أغصانها ثمار الخشية حيثما حلوا حلت معهم أغذية الأرواح يقول مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ قَدِمْتُ قُدْمَةً مَكَّةَ ، فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ فِي السَّحَرِ إِذَا النَّاسُ يَقُولُونَ قد جاء قَدْ جَاءَ الْعَنْبَرِيُّ الزَّاهِدُ ، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ جَافُّ الْمَنْظَرِ، دَخَلَ الطَّوَافَ ، فَطَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ ، وَرَكَعَ خَلْفَ الْمَقَامِ ، ثُمَّ أَتَى الْمُلْتَزَمَ ، فَرَفَعَ يَدَهُ ، وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَاحِمِ رَنَّةِ الْبَاكِينَ ، وَقَابِلِ التَّوْبَةِ ، وَالْمُتَفَضِّلِ بِهَا عَلَى الْمُسْرِفِينَ ، الَّذِينَ أَفَاضَ عَلَيْهُمْ مِنْ سُيُوبِ تَفَضُّلِهِ ، وَأَهْطَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ سَمَاءِ بَذْلِهِ ، وَفَوَائِدِ نِعَمِهِ ، وَجَزِيلِ إِحْسَانِهِ مَا عَجَزَتِ الْبَرِيَّةُ عَنْ شُكْرِهِ ، وَالْقِيَامِ بِأَدَاءِ حَقِّهِ إِلا بِمَعُونَتِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لا يَمْنَعُ الْعِبَادَ أَسْبَابَ التَّوْبَةِ ، وَلَمْ يُعَيِّرْهُمْ لَمَّا أَنَابُوا إِلَيْهِ بِمَا أَجْرَمُوا مِنَ الْحَوْبَةِ ، وَلَمْ يَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بِالنِّقمِ ، وَهُوَ يَرَاهُمْ يَتَمَرَّسُونَ بِمَعَاصِيه، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ بِسِتْرِهِ ، وَيَتَوَدَّدَهُمْ بِإِنْعَامِهِ ، وَيَتَحَبَّبُ إليهم بدوام إِحْسَانِهِ ، ثُمَّ فَتَحَ لَهُمْ بِرَحْمَتِهِ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ ، وَدَعَاهُمْ إِلَى شَوْقِهِمْ إِلَيْهِ بِحُسْنِ مَوْعِظَتِهِ ؛ فَقَالَ لِمُسْرِفِي عِبَادِهِ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله وَقَالَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ وَقَالَ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فَسُبْحَانَ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى مَنْ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ ، وَيَتَحَبَّبُ بِالنِّعَمِ إِلَى مَنْ يَتَبَغَّضُ بِالْمَعَاصِي إِلَيْهِ ؛ فَأَحَبُّ عِبَادِهِ إِلَيْهِ أَسْأَلُهُمْ لِمَا لَدَيْهِ إِلَهِي أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ ، هَا أَنَا قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْكَ ، مُتَوَسِّلٌ بِكَرَمِكَ إِلَيْكَ ، لا تَزِلَّنِي عَنْ مَقَامٍ أَقَمْتَنِي فِيهِ ، وَلا تَنْقُلْنِي إِلَى مَوْقِفِ سَلامَةٍ مِنْ نِعَمِكَ إِلا أَنْتَ ، أَتَنَصَّلُ إِلَيْكَ مِمَّا كُنْتُ أُوَاجِهُكَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ اسْتِحْيَائِي مِنْ نَظَرِكَ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنْ ذُنُوبِي الَّتِي ابْتَزَّتْ قَلْبِي حَلاوَةَ ذِكْرِكَ ، وَأَطْلُبُ الْعَفوَ مِنْكَ ؛ إِذِ الْعَفوُ نَعْتٌ لِكَرَمِكَ يَا مَنْ يُعْصَى وَيَرْضَى كَأَنَّهُ لَمْ يُعْصَ يَا حَنَّانًا لِشَفَقَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَمَنَّانًا بِلُطْفِهِ ، وَمُتَجَاوِزًا بِعَطْفِهِ عَنْ خَلْقِهِ طَهِّرْ قَلْبِي مِنْ أَوْسَاخِ الْغَفْلَةِ ، وَانْظُرْ إِلَيَّ نَظَرَكَ إِلَى مَنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ ، واستعملته بمعونتك فأطاعك ، مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَبْ لِي صَبْرًا وَيَقِينًا ، وَاغْفِرْ ذَنْبِيَ الْعَظِيمَ ، وَتَجَاوَزْ لِي عَنْ سَيِّئَاتِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ قَالَ محمد بن الحسين فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى عَرَفْتُ مَوْضِعَهُ ؛ فَكَتَبْتُ عَنْهُ هَذَا الدُّعَاءَ ، وَغَيْرَ هَذَا مِمَّا كَانَ يَدْعُو بِهِ عَنْدَ الْمُلْتَزَمِ فِي أَوْقَاتِهِ