من شأن الصالحين الذين يصُفون أقدامَهم على الصراط المفضي إلى سعادة الدارين أن يتذاكروا أحوال من سبقهم على الطريق إلى الله تعالى ورضوانه ، لعلهم يتلمسون نفحة تملأ نفوسهم نشاطا ، وصدورهم انشراحا ،وحافزا إلى أكرم سلوك اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ مِثْلِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَمَخْلَدِ بْنِ حُسَيْنٍ وَمُحَمَّدِ بْنُ النَّضْرِ ؛ فَقَالُوا تَعَالَوْا حَتَّى نَعدَّ خِصَالَ ابْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ فَقَالُوا جَمَعَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ وَالأَدَبَ وَالنَّحْوَ وَاللُّغَةَ وَالزُّهْدَ وَالشِّعْرَ وَالْفَصَاحَةَ وَالْوَرَعَ وَالإِنْصَافَ ، وَقِيَامَ اللَّيْلِ ، وَالْعِبَادَةَ ، وَالْحَجَّ ، وَالْغَزْوَ وَالسَّخَاءَ ، وَالشَّجَاعَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ ، وَالشِّدَّةَ فِي بَدَنِهِ ، وَتَرَكَ الْكَلامَ فِيمَا لا يَعْنِيهِ ، وَقِلَّةَ الْخِلافِ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ وَإِذَا صَاحَبْتَ فَاصْحَبْ مَاجِدًا ذَا حَيَاءٍ وَعَفَافٍ وَكَرَمْ قَوْلُهُ لِلشَّيْءِ لا إِنْ قُلْتَ لا وَإِذَا قُلْتَ نَعَمْ قَالَ نَعَمْ وبالبداهة لا يريد بهذا الوصف مطلق الموافقة في الخير والشر، وفي الصواب والخطأ على حدّ سواء ، إنما يريد الموافقة التي لا تقر باطلا ، ونبذ الخلاف الذي تثيره النفوس في ميادين المنافسة