أنواع الوجود الحادث فيما نعلم ، ومعرفتها تمكن من القيام بحق كل دار منها ، وإن كان أخطرها على الإطلاق الدار الدنيا التي نحن فيها الآن ، لأن ما بعدها يترتب عليها ، إذ بناء البرزخ على أن يكون روضة من رياض الجنة ثمرة للإيمان والعمل الصالح في هذه الدار وأن تحظى بهذا التقسيم علما على الوجه السديد ينتفي ما يمكن أن يتسرب إلى النفس مما تلوكه الخواطر في الصدور من إشكالات، إزاء عالم البرزخ ، أو الآخرة وإليك هذا التقسيم جعل الله تعالى الدور ثلاثا دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار، الدار التي نحن فيها ، وقد عرفنا عنها ما عرفنا ، وعالم البرزخ الذي ننقل إليه عبر بوابة الموت ، وهو من الغيب الذي أكدته النصوص ، ودار القرار التي سننقل إليها بنفخة البعث فإذا كل الموتى يبعثون إلى رحاب ساحة العرض على الله ، ومن ثمّ يغادر ساحة العرض فريق إلى الجنة وفريق آخر إلى النار بحسب ما زرع كل من الفريقين لكل دار من الدور الثلاث أحكامه وجعل الله لكل دار أحكاما تختص بها، وركب الله هذا الانسان من بدن ونفس ، قال تعالى بشأن آدم عليه السلام فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها ، ولهذا رتبت الأحكام الشرعية على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح ، إلا ما كان متعلقا بأعمال القلوب وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها ، وكما تبعت الأرواح الأبدان التي كانت باشرت أسباب النعيم والعذاب في أحكام الدنيا ، فتألمت بألمها ، والتذت براحتها ، تبعت الأبدانُ في عالم البرزخ الأرواحَ في نعيمها وعذابها ، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم العلاقة بين البدان والرواح في كل من الدنيا وعالم البرزخ فالأبدان هنا ظاهرة ، والأرواح خفية ، فهيَ على هذا كالقبور لها ، والأرواح في عالم البرزخ ظاهرة ، والأبدان خفية في قبورها ،وتجرى أحكام البرزخ على الأرواح فتسرى إلى أبدانها نعيما أو عذابا ، كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان فتسرى إلى أرواحها نعيما أو عذابا إن الأصل في الإيمان بعالم الغيب أن نتلقاه من نصوص القرآن والسنة ، لننال منزلة المؤمنين الذين أثنى الله تعالى عليهم بمثل قوله الذين يؤمنون بالغيب ومن لطف الله تعالى بنا ورحمته وهدايته أن أرانا الله سبحانه أنموذجا في الدنيا من تلك العوالم ،يتبدى لنا من حال النائم ، فإن ما ينعم به في نومه ، أو يعذب ، يجرى على روحه أصلا، والبدن تبع له ، وقد تقوى هذ التبعية حتى يؤثر في البدن تاثيرا مشاهدا ما يجري على الروح ، ومن ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب – مثلا كأنه يقظان ، مع أنه نائم لا شعور له بشيء من ذلك ، وأعجب ما يبين هنا أنك تجد النائمين في فراش واحد ، وهذا روحه في النعيم ، ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه ، وهذا روحه في العذاب ، ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه ، وليس عند أحدهما خبر عند الآخر، فأمر البرزخ أعجب من ذلك ، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ، ولو دخلت فيه لاستيقظ ، وخرج عن دائرة نومه فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ، ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع ، فكذلك في البرزخ على سبيل التقريب ، بل أعظم ، فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى ، وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع فإذا كان يوم حشر الأجساد ، وقام الناس من قبورهم ، صار الحكم على الأرواح والأجساد معا ظاهرا باديا ، وعلى أكمل صور الوجود بالوقوف على نواميس الدورالثلاث التي أخبرنا الله عنها ، ومعرفة ما لكل من مواصفات ، يتبين أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه ، وضيقه وسعته ، وضمته ، وكونه إمّا حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة ، مطابق للعقل ، وأنه حق لا مرية فيه ، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه ، وقلة علمه أتيَ ، فهو كما قيل وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم