الأربعاء 3 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 16 سبتمبر 2026م

تابع … دفين الملائكة ( عامر بن فهيرة ) .. 2

وتروي السيرة أن جمعاً من الصحابة المهاجرين أصيبوا بالحمى عقب الهجرة ، بسبب الوباء الذي كان في المدينة ، واشتدت عليهم الحمى ، كما اشتد بهم الحنين إلى موطنهم الأول مكة ، ومن هؤلاء أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة ،وتروي السيدة الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها أنها سألت عامراً وهو محموم فقالت : كيف تجدك ياعامر ؟

فأجابها وهو يعاني ما يعاني من أوجاع الحمى :

لقد وجدت الموت قبل ذوقه        إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه

ولما أخبرت عائشة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا قال : ” اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد ” .

وكذلك كان ، ولله في خلقه  شئون .

وآخى الرسول بين عامر والحارث بن الصمة المجاهد الشهيد الذي نال نعمة الشهادة مع عامر في معركة واحدة وفي يوم واحد .

وشهد عامر غزوة بدر ، وأبلى فيها بلاء حسنا، وشهد غزوة أحد ، واحتمل فيها احتمالاً مشكوراً ، وفي شهر صفر من السنة  الرابعة للهجرة بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرية فدائية إلى مكان يسمى ” بئر معونة ” وهو يقع بين أرض بني عامر وحرة بني سليم .

وكانت السرية مكونة من عشرات  من المجاهدين ، قيل إنهم كانوا سبعين ، وكان هؤلاء من المشهورين بالعبادة وتلاوة القرآن الكريم ، حتى كان يقال عنهم : ” القراء ” حيث إنهم كانوا يجتمعون ليلاً على الصلاة وقراءة القرآن المجيد ، وفي النهاركانوا يعملون ويحتطبون ، وكان من بينهم بطلنا عامر بن فهيرة ، وفي السيرة حدث عنهم من يعرف بهم وبأحوالهم فقال : 

الَّذِينَ كُنَّا نُسَمِّيهِمْ ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرَّاءَ ، وأَنَّهُم كَانُوا سَبْعِينَ ، فَكَانُوا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ، انْطَلَقُوا إِلَى مُعَلِّمٍ لَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، فَيَدْرُسُونَ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحُوا ، فَإِذَا أَصْبَحُوا ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ ، اسْتَعْذَبَ مِنَ الْمَاءِ ، وَأَصَابَ مِنَ الْحَطَبِ ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ سَعَةٌ ، اجْتَمَعُوا فَاشْتَرَوُا الشَّاةَ وَأَصْلَحُوهَا ، فَيُصْبِحُ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِحُجَرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -

وشاء الله تعالى أن يذوق هؤلاء المجاهدون ابتلاء شديداً ، وأن ينالوا شهادة مجيدة في سبيل الله عزوجل ، إذ خرجت عليهم جموع من أحياء رعل وذكوان وعصية ، واعملوا فيهم القتل بخيانة وغدر . ولما رأى المجاهدون أن مصيرهم القتل ،قال قائلهم :اللهم إنا لا نجد من يبلغ عنا رسولك السلام غيرك،فأقرئه منا السلام، اللهم بلغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ، ورضيت عنا “ش

واستجاب الله تعالى للدعاء ، فأبلغ رسوله – صلى الله عليه وسلم – مصير هؤلاء ، فجمع النبي الصحابة ، وأخبرهم الخبر ، ثم قال : ” فأنا رسولهم من الله إليكم ، إنهم قد رضوا عن الله ، ورضي الله عنهم ” .

وكان ممن ذاق طعم الشهادة يومئذ المجاهد البطل عامر بن فهيرة ، طعنه رجل يسمى جبار بن سلمى الكلابي ، فقال عامر حينما أصابته الضربة القاتلة : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة . وفي رواية ثانية : أنه َأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا ، خَالَ أَنَسٍ ، مِنْ خَلْفِهِ ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ ، فَقَالَ حَرَامٌ : فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،

واسمتع جبار القاتل إلى العبارة التي رددها عامر الشهيد ، فلم يفهم معناها . لماذا قال : الله أكبر ؟ وأين يفوز الذي فاز به ؟ ألم يذق الموت ويترك الحياة إلى التراب ؟ .

وذهب الرجل يسأل ، فقيل له إن عامراً يقصد بقوله هذا أن الله قد أكرمه حينما رزقه نعمى الشهادة في سبيله ، وأنه سبفوز بنعيم الجنة في الدار الآخرة .

وانبهر ” جبار ” من هذا اليقين الغامر ، وهذا الإيمان السابغ ، وأخذ يفكر ويفكر ، وكأن عامراً أطل عليه  من عليائه من عالم الخلود ، وأشار إليه ناصحا نصيحة صاغها الموقف الرباني الذي نبض بيقين متوهج:

ياجبار ، أقلع عن كفرك وعنادك . إن الباب لا زال مفتوحا أمامك ، فادخل في دين الله تبارك وتعالى تكن من الفائزين .

وشرح الله صدر ” جبار ” للإسلام ، فاهتدى وأعلن إسلامه ، وقال فيما قال عن سبب هذا الإسلام : إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه ، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره ، فسمعته يقول : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة ، فقلت في نفسي : مافاز ؟ ألست قد قتلت الرجل ؟! حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا : إنه يعني الشهادة ، فانشرح صدري للإسلام وقلت : صدق والله ، فاز والله !.   

ثمة تتمة …..

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#بصائر نبوية تسدد المسار- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " يَا غُلامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ "- المسند – إسناده قوي ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#عناية الله تعالى بالعبد* قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَهُمُّ بِالْأَمْرِ مِنَ التِّجَارَةِ وَالْإِمَارَةِ حَتَّى يُيَسَّرَ لَهُ، فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: اصْرِفُوهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِنْ يَسَّرْتُهُ لَهُ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ، فَيَصْرِفُهُ اللَّهُ عَنْهُ، فَيَظَلُّ يَتَطَيَّرُ يَقُولُ: سَبَقَنِي فَلَانٌ دَهَانِي فُلَانٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا فَضْلُ اللَّهِ -عَزَّ جَلَّ-. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تحقيق العبودية لله وحده سبيل سعادة الأبد1852 - العُبُوديَّةُ:- التبري من الْحول وَالْقُوَّة، وَالْإِقْرَار بِمَا يوليك من الطول والْمنَّة- وَقيل: الْقيام بِحَق الطَّاعَات بِشَرْط التوفير، وَالنَّظَر إِلَى مَا مِنْك بِعَين التَّقْصِير، وشهود مَا يحصل من مناقبك من التَّقْدِير- وَقيل: ترك الِاخْتِيَار فِيمَا يَبْدُو من الْأَنْوَار- وَقيل: إِسْقَاط رُؤْيَة التَّعَبُّد فِي مُشَاهدَة المعبود- وَقيل: الْعِبَادَة لمن لَهُ علم الْيَقِين، والعبودية لمن لَهُ عين الْيَقِين، والعبودة لمن لَهُ حق الْيَقِين- وَقيل: الْعِبَادَة لأَصْحَاب المجاهدات، والعبودية لأرباب المكابدات، والعبودة صفة أهل المكاشفات.- معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم للجلال السيوطي ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#حبيبي رسول الله كانت ألسنة الصحابة تطرب بذكر الرسول على أنه الحبيب* وتغنى بها الصحابة وهم يذكرونه صلى الله عليه وسلم* * في الحديث: وجاءتها -أي السيدة عائشة أم المؤمنين- امرأة تسألها عن الحناء ، فقالت عائشة -رضي الله عنها- كان حبيبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعجبه لونه ويكره ريحه - أخرجه الإمام أحمد في مسنده 117/ 6 برقم 24905، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 61 برقم 8905، وأبو داود في سننه باب في الخضاب للنساء برقم 4164، والنسائي في سننه برقم 5090 باب كراهية ريح الحناء.* عن علي ولفظ: إن حبيبي -صلى الله عليه وسلم- نهاني أن أصلي في المقبرة.- عند أبي داود (490) ومسند الإمام أحمد - وإسناده حسن إن كان أبو صالح الغفاري سمع من علي* عن ابن أبي مليكة قال: كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق، قال: فيضرب بذراع ناقته فينيخها فيأخذه، قال: فقالوا له: أفلا أمرتَنا نناولكه؟ فقال: إن حبيبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أن لا أسأل الناس شيئا.- مسند أحمد* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ الْعَامِرِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مِخْرَاقٍ، عَنْ مِخْرَاقٍ مَوْلَى حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: إِنَّ لَكَ مَعَادًا، قَالَ: أَفْرِغْهُ كُلَّهُ، إِنَّ حَبِيبِي حَدَّثَنِي أَنَّ آخِرَ شُرْبِي مِنَ الدُّنْيَا ضَيَاحُ لَبَنٍ، حَتَّى أَرِدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ.- كشف الأستار عن زوائد البزار* ولما حضرت سلمان الفارسيّ الوفاة عرف منه بعض الجزع، فقالوا: ما يجزعك أبا عبد الله، وقد كان لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مغازي حسنة وفتوحا عظاما؟ فقال: يحزنني أنّ حبيبي محمدا عهد إلينا حين فارقنا، فقال: ليكف المؤمن كزاد الراكب، فهذا الذي حزنني؛ فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارا.* التذكرة الحمدونية ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تحرير مقام المحبة مفهوم وأدلة1851 - المحبَّةُ:- هِيَ تَعْظِيم مَحل الْأَسْرَار- وَقيل: ميل الْقلب إِلَى الله، وَإِلَى مَا لله من غير تكلّف،- وَقيل: الطَّاعَة فِيمَا أَمر، والانتهاء عَمَّا زجر، وَالرِّضَا بِمَا حكم وَقرر.- معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم للجلال السيوطي ...
View on Facebook (opens in a new tab)