الثلاثاء 2 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 15 سبتمبر 2026م

السيرة الذاتية

وجود العلماء و المربيين الربانيين في حياتنا، من أشد ما نحتاج إليه اليوم للتسديد و التصويب مع الأزمات و النوازل و الخلافات التي تمر على الأمة، والشيخ الذي نرصد طرفاً من سيرته – ونحسبه من هؤلاء الذين قيضهم الله – له تجربة طويلة وخبرات متراكمة في ميدان التدريس ووظيفة المسجد، ومن يستمع لحديثه الرصين و ضوابط طرحه الواعي يدري قيمة ما نهديه للناس اليوم عبر موقعه العامر و للشباب خاصة.

الشيخ عبدالكريم تتان من حيث تخصصه وعمله في حقل التربية والتعليم ووظيفة المسجد إمامة وتدريساً وخطابة، إلى جانب تربيته الواعية على أيدي شيوخ كرام مشهود لهم. تجده ملماً بأكثر العلوم الشرعية وتشهد له الدروس اليومية في التفسير والحديث و الفقه و السيرة النبوية و غيرها.

فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

يشهد من صَحِبَ الشيخ عبد الكريم تتان، أنه رأى فيه أخلاق الإسلام العالية مع الزهد والورع، والرحمة والكرم، فهو يشمل كل من حوله برعاية أبوية لا تتأتى إلا لمن كان له حظ من أنوار اسم الله تعالى (الرحمن)، ولا يجلس إليه أحد إلا ويظن أنه الأول في المجلس ومحط الاهتمام والإقبال، فكم شمل حتى المخطئين والمقصرين برعاية تردهم إلى الصواب وبرفق يحوشهم إلى الحق، كما أن فضيلته عالم متشرع لا يقبل المساومة أو الترخص في حقائق التوحيد أو أحكام الشريعة مهما كان مصدره وأيا كان قائله، فضلا عن حساسيته المرهفة وإحساسه بآلام المسلمين في كل العالم وهمومهم كافة، جزاه الله كل خير عنا وعن جميع المسلمين.

ولد الشيخ في 17/4/1941 في السلمية “قضاء تابع محافظة حماه في الجمهورية العربة السورية”، وكان الثاني بعد أخيه الكبير “أدهم” رحمه الله، وترعرع في أسرة متوسطة الحال، تظللها السكينة ويغمرها الوئام، فقذ كان أبواه على وفاق رائع، أساسه المودة والرحمة بينهما، مما نفقده في كثير من البيوت اليوم، مع أن والديه كانا أمِّيين لا يقرآن ولا يكتبان، ومع ذلك حرصا على تعليمه وتعليم إخوته.

يَذكر أنه كان في السادسة من عمره، لما شهد خروج جنود المحتل الفرنسي من بلدة “السلمية” عبر سيارات جيش خضر ملطخة بسواد، فذاق على صغره طعم الحرية من متسلط غاشم قهر العباد، وأنهك البلاد. ولا يزال المشهد حاضرا في ذاكرته، وخميرة استقرت في ذاته، ولعلها بعد هذا صاغت موقفه تجاه ما تعاني منه الكثير من بلاد المسلمين من الغشم والقهر.

دَرس الابتدائية في مدرسة أبي الحسن، وكان طالباً مجداً وحريصاً على التفوق على أقرانه، فقد كان ينافس على الدرجة الأولى في كل صف يرتقي إليه، حتى نال الشهادة الابتدائية “أي: الصف الخامس” بتفوق على طلاب هذه المرحلة جميعاً، ونال الشهادة الابتدائية أولاً على البلدة كلها، واستعد للدخول في المرحلة “الإعدادية” وهي ثلاث سنوات، يحصل بعدها على الشهادة “الإعدادية”.

كان في الحادية عشرة من عمره حين كانت الصدمة يوم طلب منه والده أن “يترك” متابعة الدراسة، ليعينه في دكانه على عمله التجاري، فآلمه ذلك أشد الألم، وشعر أن المستقبل الذي كان يرنو إليه قد تبخر. ولكنه أطاع والده وأخذ يزاول مع والده البيع والشراء في هذه السن المبكرة، كما كان مع هذا ينظم له ديونه وسجلات زبائنه… وكم كان يتوارى خلف أكياس البضاعة عندما كان يمر زملاؤه في المدرسة أمام الدكان في طريقهم إلى المدرسة وعيناه غارقتان بالدموع.

عمل مع والده عدة سنوات، ومع بلوغه التاسعة عشرة من عمره سافر إلى مصر مع عمته باحثاً عن عمل، وذلك بعد أن توقفت تجارة والده نتيجة ظروف قحط أطبقت على البلدة بكاملها، ثم عاد من مصر بعد عدة أشهر حيث لم يوفق هناك، حتى دون “خفي حنين”.

عاد بعد أن أخفق أيما إخفاق، وملأت نفسه جروحٌ بالغة، ثم عاد ليعيش مع أسرته بعد انتقالها إلى محافظة حماه، بلد أبيه حيث فتح والده فيه دكاناً يدر عليه ما يغطي الحاجات الأساسية.

بلغ الثانية والعشرين من عمره حين عمل في سرايا الحكومة كمتابع للمعاملات لقاء أجر بسيط، ثم تقدم إلى مسابقة “مُحْضِر” فنجح وعُيّن في دائرة قضايا الدولة على الشهادة الابتدائية التي لا يحمل سواها.

هنا بدأت الخطوة الأولى نحو الخروج من الضيقٍ النفسي الشديد، حين التقى الشيخ بشير الشقفة “حفظه الله” والشيخ أديب كيلاني “رحمه الله” (وهما من علماء مدينة حماه)، التقاهما في دارٍ تسمى “دار الفقراء” وهي دارٌ كانت عامرة بالدروس في السير السلوك والفقه والسيرة والتوحيد، إلى جانب جلسات الذكر الجماعي اليومي، حيث تركتِ الدار في نفسه بصمة مشرقة فتحت له نوافذ الإقبال على التحصيل العلمي. وسيأتي بيان بعض هذا لاحقاً

فقد كانوا في الدار يجمعون بين العلم والأدب وحسن التعامل والتقوى، على أن الشيخ قد أولع بالقراءة منذ الصغر، وربما اقتحم بنفسه عُبَابَ مِثْلِ كتاب الإحياء وتهافت الفلاسفة وفضائح الباطنية للإمام الغزالي قراءة خاصة، مع أنه يقر بأنه لم يكن يفهم منها شيئاً، ثم، ومع الصحبة النقية الجديدة في الدار أخذ يقرأ مع الشيوخ في فقه العبادات وسيرة ابن هشام وتفسير القرطبي، كما جمع إلى العلم جلسات الذكر الجماعي.

تزوج صاحب هذه السيرة عندما قارب الحادية والعشرين من عمره، وكان عمر زوجته آنذاك قرابة السادسة عشرة، وكانت الزوجة الرائعة وأم أولاده قرابة ستين عاماً ثم توفيت رحمها الله.

وهنا لا بد لنا من وقفة تجاه دور الزوجة في حياة عبد الكريم: (ألخصها بأنها حملت الدور الأكبر عنه في حياة الأولاد، وهموم الأسرة، حيث كانت الزوجة والأم والراعية والمطمئنة والحاثة على متابعة التحصيل العلمي ، فكانت تهيء مجال البيت “وهو غرفة واحدة فقط، فيها كلّ أنشطة المنزل من المطبخ، والملعب والمطعم والنوم” فلا تكاد ترى فيه ما يقلق، برعاية كانت فيها في القمة شهادة أشهد بها ، ويكفي أنها لم تشكُ يوماً من ضيق ذات اليد الذي حط رحاله سنوات ، ولم تتذمر من الانشغال عن الأولاد بالوظيفة أو الدراسة، جزاها الله خيراً حيث ودعت الحياة سنة 2023 وبعد أكثر من ستين سنة من الزواج على هذا، فنعم الزوجة الصالحة كانت).. تغمدها الرحمن برحماته الواسعة.

وبعد سنوات من الاستقرار في البيت الذي أقامه، ومن نفحات يومية مع الصحبة الطيبة، نبت في نفسه من جديد وقد بلغ السابعة والعشرين التوجه الصادق للتحصيل الدراسي الذي تخلى عنه لأجل خدمة والده، فبعد مرور سنوات عاد بهمة متأججة وانتفض بصدق يتابع تحصيله المدرسي.

ومع العمل في دوائر الحكومة حيث عيّن على الشهادة الابتدائية، درس السادس والسابع في سنة واحدة (وكان يومها من المرحلة الاعدادية)، ثم تقدم إلى امتحان الصف الثامن والتاسع لينال الشهادة الإعدادية، وتابع بنجاح ودرس العاشر والحادي عشر في سنة واحدة، وتقدم إلى الثانوية فنجح.

ثم التحق بجامعة بيروت، قسم اللغة العربية (ودرس هناك لسنة واحدة فقط)، ثم انتقل إلى جامعة دمشق وتخرج منها عام 1970.

ومما مر بالشيخ في فترة الدراسة (ببيروت) أنه احتاج يوماً إلى قسط الجامعة، فاختار بعضاً من كتبه الغالية عليه، وأعطاها لأحد أحبابه ليبيعها له، ويشاء الله أن يلتقي هذا الرجل الذي اشترى الكتب بمن يعرف الشيخ عبد الكريم فأخذ منه الكتب، ودفع ثمنها أضعافاً، وأوصى حامل الكتب بألا يخبر الشيخ عنه ليعيدها له بعد حين على صورة هدية.

بعد تخرج الشيخ من الجامعة ترك الوظيفة في دائرة قضايا الحكومة، والتحق بوزارة التربية والتعليم مدرساً في مدرسة ثانوية محردة، وهي قرية كبيرة من أعمال حماه، فأمضى في الوظيفة مدرساً في ثانويتها هناك مدة ثلاث سنوات.

ومن المشايخ الذين التقاهم فضيلته، وأخذ عنهم بنسب متفاوتة، مدة وكما، الشيخ محمد الحامد والشيخ عبد القادر عيسى والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ محمد أديب الكيلاني والشيخ بشير الشقفة وكلهم لهم عليه فضل ، وإن كانوا متفاوتين فيه رحم الله تعالى من غادرنا إليه سبحانه ،، وقد كان حظه كبيرا من الشيخ اديب رحمه الله تعالى، إذ تلقى عنه فضيلته أهم الكتب في علم التوحيد، حيث تلقاه الشيخ أديب عن مشايخ دمشق الراسخين في هذا العلم علماً وذوقاً، وقد أذن له الشيخ بتدريس هذا العلم، وكذلك كان للشيخ محمد بشير الشقفة حفظه الله وبارك بعمره فضل كبير على فضيلته – كما يذكر – إذ كانت البدايات الرائعة على يديه، وكان العبق السلوكي كبيرا فيما كان يدرسه في تلك الحاضنة “دار الفقراء” التي كانت الحياة فيها أشبه بحياة الصحابة صفاء وتجرداً علماً وذكراً وسلوكاً، وكان لها طعمها الخاص في نفس الشيخ، على أن الشيخ عبد الرحمن الشاغوري قد أذن لفضيلة الشيخ عبد الكريم تتان بالإرشاد العام وخط له بذلك الإذن وثيقة لدى الشيخ، كما أكرمه الله تعالى بإذن في علم التجويد من الشيخ الحافظ المقرئ محي الدين الكردي، بواسطة الشيخ الحافظ المقرئ محمد الدروبي الذي استمع له القرآن الكريم كاملا، ووقع بذلك على الإجازة الممهورة بخاتم الشيخ الكردي وتوقيعه، والحمد لله ذي الأفضال العميمة على عباده المؤمنين.


بعد الحقبة الزمنية في التدريس في مدرسة ثانوية محردة، سافر إلى مدينة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتقدم للمقابلة في وزارة التربية والتعليم بقصد الوظيفة، وقُبل مدرساً.

المحطات التعليمية لدى وزارة التربية والتعليم:

المحطة الأولى: مدرسة العوير.

المحطة الثانية: مدرسة الأقصى.

المحطة الثالثة: مدرسة بدر الثانوية.

المحطة الأخيرة: مدرسة ثانوية دبي حتى عام 1998.

وأثناء هذه الفترة اختارت الوزارة عدداً من المدرسين لتعديل مناهج التربية الاسلامية واختير الشيخ من هؤلاء كما كُلّف مع الشيخ مظهر قيمة “رحمه الله” بتأليف كتاب في علم التوحيد ليدرس في المعاهد العلمية في الدولة لطلاب الصف العاشر مع أن تخصص الشيخ في الأصل في اللغة العربية، ويعود ذلك إلى معرفته وأدائه المتميز في تدريس كلاً من اللغة العربية والتربية الإسلامية.

إلى جانب التدريس في المدارس، كان يُقيم الشيخ أيضاً دروساً يومية ومتنوعة المواضيع، فمن علم التوحيد (شرح جوهرة التوحيد) إلى تفسير القرآن الكريم (القرطبي والنسفي)، إلى الفقه إلى والسيرة النبوية (السيرة الشامية) إلى السير والسلوك وشرح إحياء علوم الدين والأذكار وبداية الهداية للغزالي و(كتاب الفتن) لابن كثير و(حياة الصحابة) للكاندهلوي، وعلوم النحو والبلاغة والفقه على المذاهب الأربعة (في كتب مختلفة)، بعد صلاة العشاء في مسجد خليفة بن سلطان الحبتور رحمه الله.

عُرض على الشيخ إنشاء معهد لتدريس اللغة العربية للناطقين وغير الناطقين بها، بالتعاون مع الدكتور مازن المبارك في ذلك، ثم حالت حوائل بعد دراسة المشروع واستحضار برامجه دون إقامته.

لدى الشيخ مؤلفات عديدة، كما لديه أيضاً قنوات على وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، الإنستغرام، اليوتيوب، التليجرام)، يتحدث فيها في مواضيع ومجالات مختلفة ومتنوعة، منها في العقيدة، التوحيد، الفقه، الفكر، الأدب، مواضيع عامة.


البيئتان اللتان سعد فيهما الشيخ:

  • دار الفقراء. (في حي “الكيلانية” في مدينة حماه – الجمهورية العربية السورية)
  • مسجد خليفة بن سلطان الحبتور. (في حي “المطينة” في مدينة دبي – دولة الإمارات العربية المتحدة)

ومن بين الأمور التي قالها الشيخ نفسه، معبراً عن مدى سعادته وحياته في دار الفقراء، ما يلي:

حي "الكيلانية" في مدينة حماه

رأيتُ هذه الصور، فطوي عني أكثر من خمسين سنة فجأة، ورأيتني أسير فيه نحو البواب في نهايته، أدخل مسافة مئة متر، ثم أعطف على اليسار لأدخل بوابة صغيرة، ومنها أصعد الدرج الذي يفضي بي على دار الفقراء. كان هذا كل يوم قريباً من المغرب، لم أنقطع يوما إلا لضرورة لا تدفع.

وجدير في البدء أن أبين دلالة التسمية “دار الفقراء” لئلا يذهب الوهل على أننا مجموعة ممن تحل لهم الزكاة، ننتظر أن يطرق علينا الباب فنأخذها.

التسمية هنا أتت تشعر بضرورة تحقيق الافتقار على الله ذوقا، وهو محقق بالضرورة وجوداً تلبية لنداء الله لبني آدم {يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ ‌الْفُقَراءُ ‌إِلَى ‌اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [سورة فاطر] والتماساً لتذوق معنى من قال: “تحقق بفقرك إليه يغنِك ويَكفِك”.

في الدار كلّ ليلة عكوف من يأتي على الأوراد بعد صلاة المغرب، ثم يدعو رجل بلغ الستين إلى عرس القلوب بقوله: تعالوا بنا نصطلح .. فباب الرضا منفتح .. ويا مدعي حبنا .. دع الروح ثم اطرح.

ذكر جماعي تتساقى فيه الأرواح، والجميع في توجه إلى {الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ} وكأنهم جسد واحد، ويرقى بهم باقة من المعاني الراقية يزفها المنشد في أسماع قد ملأها أنوار اسم الله.

بعد الانتهاء من الذكر الجماعي، يتلو أحدهم آيات من القرآن تستقبلها القلوب المطمئنة بذكر الله استقبالاً عجيباً، وكأنه ليس في الوجود إلا آيات الله تتلى على المقبلين عليه.

وهنا يتحدث أحد الشيخين الكريمين حديثا يسدِّد التوجه، ويغذي العقول، ويوثق الصلة بالله، أو يقرأ من كتاب تربوي.

وجبة هذه الليلة هي الزاد لليل حاضر، وصبح زاهر، ويوم رباني باهر.

وهكذا كل ليلة حتى يصبح حال الأنفاس حال الحضور على مائدة تغذية روحية عالية، وعقلية واعية، وسلوكية آسرة.

يتقاطر إلى الدار الأحباب قبيل المغرب، والمعنى المهيمن عليهم عند الدخول أن يترك كلٌ واحدٍ دنياه وما فيها عند عتبة الباب، لتخلص نفسه لما هو مقبل عليه، ودون قصد القياس – وحاشى لله أن أفعل – كنا في حال مع مَن له نصيب من الوارثة كأنا عن النبي نرتضع من أثداء أنوار النبوة ما حدث به حنظلة الأسيدي -رضي الله عنه- حيث قال: لقيني أبو بكر فقال:

كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة!!. قال: سبحان الله، ما تقول؟! قال: قلت: نكون عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا!!، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا.
فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وما ذاك؟)
قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إن لو تدومون على ما تكونون ‌عندي ‌وفي ‌الذكر: لصافحتكم الملائكة على فراشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) ثلاث مرات. [أخرجه مسلم]

أجل كنا ندخل الدار ونجلس إلى من كان يحدثنا عن الله والقدر والآخرة والسلوك والجنة والنار، فننسا أننا لنا خارج الدار أي ارتباط ن إنها وجبة ربانية امتزجت بالصدق من المحدث، والإرادة في العبِّ، وتقدير الله لنا بهذا السبيل.

رحم الله بكرمه شيخي المربي المعلم الشيخ محمد أديب كيلاني الذي عمرت أحاديثه الدار دون انقطاع.

لله در ليالٍ قضيناها في تلك الدار، كانت زاداً للروح، وسنداً للنفس، وشفاء من القلق على الدنياً، وسقيا من معين الربانية، ونوراً للعقل، وتبصيراً بمهمتنا الكبرى في الحياة، وخطوات على الطريق الذي سار فيه السعداء.

كم كان حديث الشيخ بشير الشقفة الآسر يرقى بنا، ويسعدنا، كنا نستمع إليه وكأن على رؤوسنا الطير، وقد غفلنا عن كل ما يتعلق بدنيانا مع أنه درس فقه يدريه من عرف مسائله التي تحرك العقول، وتشد الانتباه عما سواها.

كانت رسالة الفقه على مذهب السادة الأحناف الصغيرة حجم الكبير عطاء مما قرأناها، وكانت كلمات الشيخ لا تحتاج إلى إعادة بل تأخذ محلها في الذاكرة بيسر.

العجيب أننا لم تمر علينا لحظة طوال سنوات تمس ثقتنا بما نحن فيه، أو توقفنا لخلاف نشب بين اثنين، بل قد تكفلت المجالس الربانية بصهر النفوس حتى لم تعد ترى أي خلل، أو أمر ميب من أحد، بل كانت بحيرة الدار بسقاتها من راح الحب: صفاء في ضفاء في الصفاء، أجل كنا فيها نشهد أنه ليس للغير إن ظهرت وجود!.

كان هناك أخ حبيب يكنى بأبي جاسم ينشد بصوته الجهوري الغامر: “في حانِ الحبِّ اشربْ واسقيني” فكان الضعيف منا يقترب من النهل بعد العلّ ببركة القوي.

كانت تنسم علينا نسمات الحب الإلهي، وما أسماها، فنغيب عن الدنيا ونتوق للقيا الحبيب.

لمحة توضح أبعاد الانطباع لأول زيارة لدار الفقراء

تفصيل مقتضب عن هذه العناصر المثير اجتماعها إطاراً لحديث طري المبنى، عميق المعنى.

الحي الذي احتضن دار الفقراء: حي خاشع، تفوح منه عراقة التاريخ، فتسري في النفوس المرهقة سريان السكينة الغامر، ولأمر ما اختير الحي وعاءً للدار.

في مدخل الدار درج طويل يصعد بك إلى باحة الدار يمهد فيك نعمة “الارتقاء” الفكري والروحي، ولا يغفل عن التنبيه إلى بذل الجهد لنيل هذا الارتقاء.

والعجب من التسمية التي يبهر معناها أيما إبهار، ويبدو لمن لا يدري عمقها أنها دار لمن دقه الفقر بمطرقته، وبالتسمية يستجدي العطاء!! فإذا ما عرف أن من يأتي إلى الدار هو من ذوي الكفاءة الدنيوية، والعلمية، والوظائف المعتبرة، والثروة التي تزيد عن الكفاية، ويعطى منها لذوي الحاجة، وعليه، فإن التسمية ترجع إلى عمق صلة رواد الدار بالله الغني، فهم يؤكدون أنهم فقراء إلى الله، تذوقاً لقول الله في الناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [سورة فاطر] وإنما غناهم غنى بالله، ويرون أن الفقير هو من قطع صلته بالله الغني الحميد.

باب الدار يفضي إلى باحتها التي وضع في صدرها مقعداً خشبياً طويلاً، وفي الجانب “الأيمن” من الباحة تقع القاعة الكبيرة التي تقام فيها الذكر كل ليلة من بعد أداء صلاة المغرب، والأوراد التي التزم بها الحضور، وعلى جانب من القاعة كانت غرف صغيرة يصدح منها أصوات الذاكرين للاسم المفرد “الله” فتغرق القاعة بجو إيماني يزج بالقادم إلى الدار أجواء ملائكية زجاً شاء أم أبى.

تنتهي الحضرة التي تبدأ بدعوة آسرة من مُعمّر في الدار يقول فيها: تعالوا بنا نصطلح .. فباب الرضا قد فتح.

بعد تلاوة من الآيات يبدأ الشيخ صاحب الرسالة بالحديث عن الله، وأسمائه، وصفاته، ووحدة الأفعال، وعالم الأسباب، وعن قلب المؤمن، والتخلية والتحلية والسير والسلوك، وهذا الحديث بمعانيه العالية وبساطة مفرداته لا يستأذن إلى القلوب، بل لا يرى المستمع إليه إلا وقد تفتحت معانيه في قلبه بعد أن استحوذ على مكانة فيه، وكان كلٌ يأخذ منه بحسب استعداده.

هي لمحة من ليلة من ليالي دار الفقراء، تجلي لنا عمق الرسالة التي تولى ولد الشيخ الدكتور عبد السلام -حفظه الله وأمده بمدده- طباعتها رجاء أن ينتفع القراء بها كما انتفع من عاصر الشيخ -رحمه الله- بحديثه، ونهلوا منه حال حياته، والكلام صفة المتكلم، وفيه سره.

ما زال صوت الحاج شريف ونداؤه الساحر: “تعالوا بنا نصطلح … فباب الرضا قد فتح” يملأ السمع، ودعوته تلك تعمل في القلب

القاعة كانت مثل طنجرة ضغط، من دخلها أبى إلا أن يذوب حساً فلا يبقى هناك ذريعة لأي خاطر ينأى عن الحضور مع ذكر الله.

الدروس التي كانت تقام تعتني بتزكية النفس وتحصيل مقام الإحسان.

البيئة بكل ما فيها تسطع بأنوار الذكر والفكر، والحب والتآلف، وكأنه ليس هناك دنيا خارج الدار!.

البيئة تصوغ سبائك ذهب النفوس: من اعتاد على الارتياد صار يخلع عند الباب ما له صلة بدنياه.

الدروس كانت تعتني بكلٍ من التصور والسلوك.

بداية معرفتي بالشيخ أديب كيلاني رحمه الله:

هي كلمات معدودة ترصد سنواتٍ مع صحبةِ مَن هم قليلون في المجتمع عدداً، بيدَ أن لهم آثاراً غذت جيلاً من الشباب الضائع، وأنا كنت واحداً منهم.

الجيل الضائع هنا هو الذي كان لا يدري مجرد الحكمة من وجوده، قد تلاعبت به الأفكار التائهة التي راجت يومها بفعل فاعل، ولم يعد له من الحياة -وهذا كان لأمثلنا طريقة- سوى الزوجة ومزرعة لطيفة وراتب يروي نزواته ويحقق طموحه الشهوي، جيل تاه عن القبلة التي هي “تحقيق العبودية” لله جل جلاله، والالتزام بالشريعة التي تحقق لكل إنسان تبناها منهج حياة الحياة الأرقى.

بصمة اللقاء الأول مع الشيخ محمد أديب الكيلاني:

سمع عبد الكريم – كاتب هذه الكلمات – بوجود شيخ يتحدث عن الله سبحانه حديثاً آسراً ولا أكتم سراً إذا قلت إن مضمون الحديث أخذ من نفسي كل مأخذ، علماً أني كنت شارداً مع الشاردين عن هذا المورد، مأخذاً مرده عريق يرجع إلى يوم {ألسْتُ} إلى الروح التي عرفت الله يوم قال الله لكلِّ ذرية آدم -عليه السلام- وهم في عالم الأرواح {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فكان منها الإقرار، إذ {قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} فما أعظم هذا السؤال التقريري، وما أعذب وأسمى تلك الإجابة التي لا تشوبها أي شائبة مما يعكر صفوها في عالم التكليف! هو خطاب وجواب، لا يُمحى مهما عدتْ عليه غبراتُ الدنيا وطول العهد!، وقد أخبرنا الله عن هذا كله بقوله : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ‌أَلَسْتُ ‌بِرَبِّكُمْ}.

توجهت مساءً إلى دار “الفقراء” حيث الشيخ يدرس، وعلى الطريق إلى حي “الكيلانية” اجتمعت فيّ معانٍ تزاحمتْ في صدري بعث بها إليّ: حي الكيلانية حيث دار الفقراء، وبخاصة ذلك الدرج الطويل الذي يوصل إلى “الدار” المرتفعة، وتلك القاعة الكبيرة التي فيها الدرس، والتي فرشت فرشاً متواضعاً، وإلى جانبها كانت غرفة متوسطة الحجم، وأمامها باحة سماوية ليست بالكبيرة، وفي صدرها مقعد خشبي طويل يسع لأربعة.

ومع هدأة الليل من بعد العشاء يبدأ الدرس، وكأنه يحل محل صخب الحياة خارج الدار، وضجيجها في النهار.

ليس الذِّكر المحض وحده كان في الدار، ما كانت تنهي الحضرة العامرة المعمرة للقلوب حتى يبدأ غيث القلوب الربانية بالحديث عن قضايا علمية في الفقه أو التوحيد، أو الوعظ والرقائق، ومعلوم أن مجالس العلم هي مجالس ذكر، وكما تغذى القلوب بالحضور تغذى العقول بالبصائر التي هي بوصلة للسلوك الرباني.

وكثيراً ما كان الحديث لشيخي الحبيب الشيخ محمد أديب الكيلاني، أو لشيخي الحبيب الشيخ بشير الشقفة حفظه الله الذي أخذت منه مع أول لقاء لي به جرعة من التوجه لعلي لا أبعد إذا كنت لا أزال أنهل منها.

في علم التوحيد حيث تولاه الشيخ أديب درست رسالة المعرفة، وهي صغيرة الحجم لكنها بشرح الشيخ صارت شبه مجلد، علماً وهذا يذكر: كانت المعاني تنقل إلى القلوب من حال الشيخ قبل أن تطرق المباني الأسماع.

في السيرة أكرمنا الله بدراسة سيرة ابن هشام “المختصرة” كماً، الكبيرة حين شرحت “كيفاً” وأذكر أن الذي تولى تدريسها في الدار لنا هو الشيخ أديب، وأما خارج الدار فكان درس السيرة في جامع الشيخ “زين” وقد كان درساً عامراً مشهوداً، تولاه الشيخ بشير الذي كان لدرسه نكهة ذاقها من حضر ليست لغيره، حيث تمكن في سرده، وتعليقه على أحداث السيرة من نقل المعركة إذا كان الحديث عن معركة إلى المسجد مشخصة تكاد تراها، وكان يتقاطر إليه المئات.

وما زلت مع موقف في درس من الدروس -وكان في المدينة قلق وتوجس- تأخر الشيخ عن الدرس، فخفنا، ولما جاء الشيخ وجلس، اشرأبت إليه الأبصار وأصغى السمع إلى فمه وإلى ما سيقوله، فإذا به بعد هنيهة يذكر سبب التأخر، فقال: قد زارني اثنتان أخَّراني عن الحضور!!! ما هما؟ بنتا الأذن!! عمّت فرحة وانتشرت بشاشة التعبير في الوجوه، ثم بدأ الشيخ في درس السيرة الممتع النافع الباني للتصور

يا لها من أيام مضت مع الأحباب كانت من أسعد ما عشنا قبلها وبعدها.

دروس تعتني بتزكية النفس تخلية وتحلية بإشراف علماء ربانيين سلكوا ورجعوا يُسلِّكون، والمرمى الروحي هو تحقيق الركن الثالث من الدين “مقام الإحسان”.

البيئة التي أعدت بتوفيق من الله تسطع بأنوار الذكر والفكر، ويغشى من فيها روح الألفة والاحترام.

البيئة لمن عرفها بما أهلت به كفيلة بتوفيق من الله أن تصوغ سبائك ذهب النفوس: فصار من اعتاد على الارتياد مؤهلاً أن يخلع عند باب الدار ما له صلة بدنياه.

تعتني الدروس بكلٍّ من التصور بناء فكرياً واعياً، والسلوك ممارسة تراها العيون.

أجل دار الفقراء كانت البيئة التي أزهرت بأنوار ذكر الله، ترى ناساً بعد أن تقاطروا مساءً على الدار قد عكفوا على الأوراد التي التزموا بها، ثم بعد استيفائها قاموا ليدخلوا حضرة الذكر التي تتساقى فيها الأرواح النور ويغمرها الحضور، وكأنه ليس هناك في الوجود من يتجه إليه، ويشغل به إلا الله.

إن المظهر العام يتجلى لمن يدخل الدار أن كلّ مَن فيها قد عُمِّر باطنه بالحضور مع الله، وغشى ظاهره بذكر الله، وكأنهم ما خلقوا إلا له، وما أذكر ههنا من النصوص إلا لأجسد معانيها في أهل دار الذاكرين لله بكل أحوالهم:

  • عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؟ قَالَ: (الَّذِينَ ‌إِذَا ‌رُؤُوا ‌ذُكِرَ ‌اللَّهُ عز وجل). [الزهد والرقائق لابن المبارك]
  • قال مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا ‌إِذَا ‌رُؤوا ‌ذُكِرَ ‌اللَّهُ تَعَالَى). [الزهد والرقائق لابن المبارك]
  • عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: (يأتي من أفناءِ الناسِ ونوازع القبائل، قومٌ لم تتصل بينهم أرحامٌ متقاربة، تحابُّوا في الله، وتَصَافُّوا في الله، يَصنَعُ اللهُ لهم يوم القيامة منابرَ من نور، فَيُجلِسُهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). [أخرجه الإمام أحمد – بسند حسن، والطبري (17730)]
  • عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء)، قيل: من هم يا رسول الله؟ لعلنا نحبهم. قال ﷺ: (هم قوم تحابُّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)}) [رواه أبو داود – سورة يونس].
  • قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (أَلا أنبِّئُكُم بِخِيَارِكُمْ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: (خِيَارُكُمْ الَّذِينَ إِما رُءُوا ذُكرَ الله عز وجل) [مسند الإِمام أحمد: 6/459 حسن].

ممّ هذا الأثر: إنهم لمّا ذكروا الله عز وجل أعطاهم فوق ما أمَّلوا، فجعل مجرد رؤيتهم تذكر بالله

قال المناوي: عليهم من الله سيما ظاهرة تُذَكر بذكره فإذا رؤوا ذُكر الخير برؤيتهم، وإذا حضروا حضر الذكر معهم، وإذا نطقوا بالذكر فهم يتقلبون فيه أينما حلوا حلت آثاره.

يقول أحدهم: كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه محمَّد بن واسع.

وكان الناس إذا رأوا أيوب السختياني في السوق يهيّج من فيه فيكبرون لمخايل النور في وجهه.

قال العارف بالأحوال: إن حاضر القلب مع الله إذا لقيك افتتح بذكر الله، أما مَن كان غارقاً في بحر نفسه، فإنه إذا لقيك افتتح بدنياه، إذ كل واحد يحدثك عما هيمن على قلبه.

هي محضن تربى فيه النفوس بالعلم والذكر والمذاكرة والصحبة الصالحة.

دروس العلم من توحيد وفقه وسيرة وعلم سلوك وتراجم صالحين قائمة قد تولاها الشيخان محمد بشير الشقفة، ومحمد أديب الكيلاني، وكلٌ منهما جبل فيما يقرره.

قرات في الدار على الشيخ محمد أديب العامرُ قلبُه بالحضور الذي يسطع على كل من يجالسه بلا استئذان، بل درست عليه كتاب شرح جوهرة التوحيد، وبتوجيه منه ومتابعة دائمة خرج لنا كتاب الجوهرة دون ما في الشرح من لغة كانت يعسر معها أحيانا استيعاب المعنى لمن بضاعته مزجاة باللغة، مع بعض ألوان البيان إلا ما لا بد من إيراده!.

في الكلمة الواعظة بعد الذكر العامر المعمر كانت كلمات الشيخ بشير تكتب في القلوب معانيها قبل أن تتلقى الأسماع رنين حروفها، وكثيراً ما يركز على قيمة الأنفاس في التقرب إلى الله، وعلى مراقبة الجوارح لتظل منورة بالطاعة.

في المناسبات غالباً وفي غيرها كنا نقوم الليل، ومما في الذاكرة أنه في ليلة ترنم أبو حامد -رحمه الله- يعاتب النجوم، فقال:

أيا نجوم الليل لا تعبثي بنا	...	وخلِ لنا كي الأجواء كي نختلي عتما

كنا نصبح وفي الطريق إلى العمل يطوى لنا الطريق ونحن نسترجع نفحات ما كنا فيه.

لا أظن أن تلك الدار تعود فتقوم بتربية صافية نقية ربانية، وبخاصة بعد أن هدمها الطغاة، أو أعود إليها!! ولذا أقول:

تذكَّر بالحمى عيشًا تقضَّى	...	فأجرى دمعه أسفًا وحزنا

وأشكو الضياع بعد البعد الطويل:

كان لي قلبٌ ‌بجرْعاء ‌الحِمى	...	ضاع منِّي هل له رد عَلَيْ

عرفت هذا المصطلح في دار الفقراء مذ وطئت قدمي الدار، وقد أخذت بالتعبير، وذهب بي التصور شتى المذاهب، حيث إنه لم يكن شائعا عند الكثير.

بالمتابعة وقفت على أنه ليس سير أقدام، لأنه ليس بيننا وبين الله مسافة تقطع، بل سير نفوس وقلوب، ووصول بالسير إلى الله صولك إلى العلم به، إذ جلّ ربنا أن يتصل بشيء، أو يتصل به شيء سبوح قدوس، ومعلوم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد! برهان على أن التقرب إلى الله تقرب عبودية محضة.

أجل سير نفوس حيث ننتقل من النفس الأمارة إلى اللوامة ثم على المطمئنة فالراضية فالمرضية، وهذا يتحقق بمجاهدة النفس، وثمرتها تحقيق مقام الإحسان، قال سبحانه: {‌وَالَّذِينَ ‌جاهَدُوا ‌فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [سورة العنكبوت].

وأما سير القلوب فهو العمل بتطهير القلب من أمراضه التي تقطع عن الله تعالى حتى يكون له (قلبٌ أجردُ مثل السِّراج يُزْهر) وفي الحديث عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: (‌القلوب ‌أربعة:

  • قلبٌ أجردُ مثل السِّراج يُزْهر.
  • وقلبٌ أغلفُ مربوط على غِلافه.
  • وقلب منكوس.
  • وقلب مُصْفَح.

فأمّا القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجُه فيه نوره.
وأمّا القلبُ الأغلفُ فقلب الكافر.
وأمّا القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف ثم أنكر.
وأمّا القلب المصْفَح فقلب فيه إيمان ونفاق.
ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة، يُمِدُّها الماء الطيّب، ومثلُ النِّفاق فيه كمثل القَرْحةُ يُمِدّها القَيْحُ والدَّمُ، فأيُّ المدَّتَين غَلَبَتْ على الأخرى غَلَبَتْ عليه).

[جامع المسانيد لابن الجوزي – وذكره ابن كثير في التفسير 3/321 عن أحمد وقال: إسناده جيّد ولم يخرجوه]


ومن بين الأمور أيضا التي قالها الشيخ نفسه، معبراً عن مدى سعادته وحياته في مسجد خليفة بن سلطان الحبتور، ما يلي:

مسجد خليفة بن سلطان الحبتور

نِعمُ اللهِ عليّ غامرة ولا تعدّ ولا تُحصى.

أسعد أيام حياتي كانت في مسجد خليفة بن سلطان الحبتور رحمه الله ومن بعده ولده الأديب الأريب الشهم محمد بن خليفة حفظه الله بما حفظ به الصالحين من عباده، وأسجلها كلمات قليلة لكنها محملة بحالات قلبية من النشوة لا تطيق الكلمات غلا لمس طرفاً منها دون الجوهر.
منها أن قيض الله لي خليفة بن سلطان تغمده الله بالرحمات، فدعاني وقد بنى مسجده في دبي لأخطب فيه وقد كنت مقيماً في العوير حيث كنت أدرس هناك.
وقد أكرمني الشيخ أحمد بن جمعة آل مكتوم تغمده الله بالرحمات فنزلت معه إلى مسجد أبي سلطان في دبي في أول جمعة عام 1974 وكان قد مضى على بنائه أشهر على ما أذكر.
البداية بخطب الجمعة، ثم طويت أعوام، ثم نقلت إلى مدرسة ثانوية بدر ومنها حططت الرحال في مدرسة ثانوية دبي أعواماً حتى 1998، وكنت مع التدريس أقيم الدرس بعد العشاء في المسجد، الذي تولى أمره السيد محمد بن خليفة بعد وفاة والده، وتجديد بنائه، ومن فضل الله أني سكنت في بيت بقرب المسجد.
عندما عُرض عليّ إنشاء معهد لتدريس اللغة العربية، دفعني هذا التوجه إلى أن أستقيل من التدريس في العام المذكور، وكان هذا إيذاناً بالانقطاع للمسجد والقيام بالإمامة والخطابة والتدريس – والحمد لله – كلّ ليلة درساً يومياً، وهذا كله من لطف الله بي وتقديره الذي فرحي به يملأ سمواتي.
وبفضل الله سجلت جميع الدروس ونُزلت على الموقع الذي أكرمني الله بإنشائه.
كل ذلك كل ليلة إلا ليلة الجمعة حيث كنت اتفرغ لخطبة الجمعة.
ومضى أعوام على هذا إلى سنة ظهور “الكورونا” بلاءً مس البلاد والعباد حيث، جَدَّ على المسجد نسق حتى في الصلوات يعلمه الجميع.
أقول وبكل قوة: إن أسعد الأوقات التي مرت بي إلى أن تجاوزت الثمانين هي التي أكون فيها في رحاب بيت الله المسجد.
أسجلها هنا شكراً باللسان، وأسأل الله أن يقبل مني ويتجاوز عما كان مني من أخطاء، وان يختم لي بكرمه بحسن الخاتمة التي بها أسعد بلقاء الأحباب الذين سبقوني.

أَعَدَّ هذه السيرة، ورَتَّب أحْداثها ولد الشيخ براء عبد الكريم تتان

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#كشف رحيق الواقعة- كم نحن بحاجة لمثل هذا في عصرنا الذي كثر فيه الهدامون والعابثون بأحكام الشريعة حتى سمعت أن هناك من يدعو لإلغاء الميراث ، وإلى الحج عبر الزووم!!! Online هزلت والله* من لطائف العلامة المختار ابن بونا رحمه الله المتوفى سنة 1220 هجرية أن رجلا قال ذات يوم لزوجه وقد سألته شيئا: “لك ما أحببتِ”، فأخذت ثلاث تطليقات، ثم بكت.- فقام يطلب فتوى من علماء زمنه في هذا فكلهم أفتى بالتحريم، حتى أتى المختار بن بونا فقص عليه القَصَصَ، فقال له: لم تطلَّق واحدة أحرى ثلاثا، إنما أعطيتها ما أحبتوما رضيت، والثلاث لا تحبها ، ولا ترضَى بها، وهي محبة لك ، والدليل على ذلك بكاؤها.- ولما بلغ ذلك تلميذَه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي قال: إن ابن بونا يأخذ من مآخذ لا يُأخذ منها غيره لجودة فهمه. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#المروءة سلوك راق- من القيم التي نهضت بها الأمة وتسنمت بها قمة العطاء * قَالَ الأحنف بن قيس: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُوْنَ، قَالُوا فِيْهِ مَا لَا يَعْلَمُوْنَ.- ولما سُئِلَ: مَا المُرُوْءةُ؟ قَالَ كِتْمَانُ السِّرِّ ، وَالبُعْدُ مِنَ الشَّرِّ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#عبارة للتقويم ولكم حرية النقض** لعل هذه العبارات قرأتها في كتاب الرافعي ولست متأكداً ، فهل يرى القاريء فيها ما لا يصلح :* الغصن الذي يقطع شجرته- قصدت به الفرد ينفصل عن المجتمع بدسيسة ما ، ويعمل على تقويضه* لعن الله الشجرة التي تشتم ساقيها- أردت به الولد الذي يعق والديه ، ويشتم ، وينتقص ، ويقبح ، ويزدري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#حوار مع السحب* نظرت إلى السماء فإذا بسحب تغطي جانباً من زرقتها الخلابة ، فانبعث فيّ تساؤل لم أكتمه بل توجهت به على السحب : أأنت مما قال الله -جل جلاله- عنك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}(1)* أو أنت من المعصرات اللاتي يجئن بما تزدهي به الأرض بثوب العروس ثوبها الزهري ، وتبتهج ، فقال عنها رب العزة والجلال: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16)} (2)* أم أنك - لا سمح الله - التي نزل بها قوله -تعالى- وكان بك العذاب على من تمرد على مالك الملك {فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24)}(3)- عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} قَالَ: " الْمُعْصِرَاتُ: الرِّيَاحُ "- قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً } قال: المعصرات: السحاب يعصر بعضها بعضا فيخرج الماء من بين السحابتين.** سارعت لتطمئن وعللت بأن هذه الأمة محمية من مثل هذا ما دامت على المحجة التي تقلتها عن التابعين عن الصحابة عن الرسول عن الله سبحانه (1) سورة النور(2) سورة النبأ (3) سورة الأحقاف ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#الرفيق الذي لا يصلح للصحبة- ضرب الأمثال من أوجه جمال لغتنا الأثيرة- الأمثال في لغتنا أسلوب في التعبير عن حالة ، أو واقعة لها بصمة في نفس صائغ المثل- لكل مثل مضرب يكون فيه سبب الإنشاء مماثلاً أو مقارباً لسبب الإعادة ، وما قالوا من الأمثال :* " لَا يَصْلُحُ رَفِيْقَاً مَنْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَاً"- يضرب لمن يَكْظِمْ الغَيْظَ ونصب "رفيقاً" على الحال، وأراد بالريق ريقَ الغَضب. ...
View on Facebook (opens in a new tab)