كيف رسم الإسلام العلاقة بين الجيران؟
نعمة الإسلام و تعاليمه الجامعة لكل شؤون الحياة و، والصالحة لكل زمان و مكان ، أعظم ما تفضل به الله تعالى على البشرية قاطبة بعد نعمتي الإيجاد و الإمداد .
بها يحقق الناس أرقى حياة إنسانية و أسعدها ، حياة تقوم على المودة و الرحمة بين الأقارب ، و على التآلف و التعارف وتبادل المنافع و الخيرات فيمن سواهم ، و على التعاون البناء في ميادين البر و التقوى بعامة ، و التماسك و التساند أمام أحداث الحياة .
لقد جاءت الشريعة الإسلامية ترسم الصورة الربانية لهذا كله ، و تحث على كل ما من شأنه تقوية الأواصر بعد إقامتها بين أفراد المجتمع ، و تنهى أو تحذر من كل ما يوهي أو ينسف تلك الروابط ، و مسألة الجار و الجوار مما اعتنت به عناية بالغة ، و صورت المجتمع الملتزم بها جسداً واحداً ، ينبض بالحياة و المشاعر ، و يضج بالحركة البناءة ، و يحتشد إزاء ما يمتن لحمة المجتمع ، و يزيد همه ، و بغيث ملهوفة ، و ينصر مظلومة ، و يرشد ضاله !.
و الجوار الصالح هو الامتداد الراسخ في المجتمع إلى جانب الكيان الأسري المتماسك المتحاب ، و به تتحقق المدينة الفاضلة المنشودة التي ظلت حلو العقلاء و لا تزال ، المدينة التي تقرب المحبة بين سكانها ، و تحقق السلوكيات الربانية روابطهم ، يشيع الأمن ، و تعم السعادة بين ربوعها.
و لك قبل عرض بعض النصوص أن تستمع معي إلى جواب عدد من سكان عمارة شاهقة حققت بارتفاعها وجوداً عمرانياً يبهر ، سئلوا عن ساكن معهم في تلك العمارة : أتعرفونه ؟. فاتفق الجميع لا يعرفونه ، بل ، و لا يعرف واحد منهم الآخر ، مجموعة تفصل بينهم جدران ، و لا تربط بينهم أي رابطة ؟. كم هي غربة موحشة داخل عمارة تعج بالناس ؟ و الآن _ ودون استقصاء _ أعرض بعض ما جاء في تعاليم الشريعة الغراء الني أنزلها رب الأرض و السماء ، ما يدور في دائرة إقامة علاقات إنسانية ، و في إطار حياكة الأواصر أن تتقطع ، و ما جاء من التحذيرات التي تضعف أو توهي أو تنسف حقوق الجار ، و من لطائف ما حوته خزانة الثقافة الإسلامية ( أن الجار قبل الدار ) و في هذا إبراز لقيمة إنسانية عالية غالية رفعت الإنسان في بحثه عن علاقاته أن يقدم المكان على الإنسان ، و الطريف _ هنا _ أن غواصاً في بحار القرآن لمح هذا المعنى الرفيع في تضرع من ضربها الله مثلين للذين آمنوا حيث قالت : ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) . فقدمت العندية على البيت المطلوب فالتهنأ في جوار الرب تعالى ، حيث " مقعد صدق عند مليك مقتدر " .
في شأن القادر على التحصيل العلمي ، جاء عن عمر _ رضي الله عنه _ : (……و كان لي جار من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ فينزل يوماً و أنزل يوماً ، فيأتيني بخبر الوحي و غيره ، و آتيه بمثل ذلك .
و في إطار إيصال النفع للجار دون مضرة : جاء في صحيح البخاري : ( لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره ) .
و ترسيخاً لمعنى الجوار تقرر حق الشفعة على تفصيل فيه ، فعن سمرة المرء _ كما هو في المستند _ أنه _ صلى الله ليه و سلم _ قال : ( الجار أحق بالجوار أو بالدار )
و ربطاً للإيمان مع الجار قال المصطفى المختار : والله لا يؤمن _ وأعادها ثلاثاُ_ قالوا : و ما ذاك يا رسول الله ؟ الجار لا يأمن الجار بوائقه ، قالوا : و ما بوائقه ؟. قال : شره.
و توجيهاً إلى تلمس الجار الصالح جاء عن نافع بن عبد الحارث : من سعادة المرء الجار الصالح…… و دعوة إلى احتمال ما يمكن أن يصدر عن الجار جاء عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ : ثلاثة يحبهم الله و ثلاثة يشنؤهم الله عز و جل ….و الرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن .
و حرصاً على اختيار الجار جاء : ( شؤم الدار جار السوء ) . رواه البيهقي عن معمر .
و قد قال الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ : ( من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره ).
و على نشر الخير و محبته بين الجيران قال : ( و الذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره _ أو قال لأخيه _ ما يحب لنفسه ).
و في بيان حدود الجوار أرسل الرسول أبا بكر و عمر و علياً يأتون المسجد : فيقومون على بابه ، فيصيحون : ( ألا إن أربعين داراً جار ، و لا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه ) . " و لاحظ هنا أن الخوف من شروره دون وقوعها يحرمه الجنة !"
و عن أنس _ عن الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ : ( من آذى فقد آذاني ).
و قد رسمت النصوص أبعاد العلاقة بين الجيران ، فعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ، أتدري ما حق الجار ؟. ( إذا استعانك أعنته ، و إذا استقرضك أقرضته ، و إذا مرض عدته ، و إذا أصابه خير هنأته ، و إذا أصابه مصي
بة عزيته ، و إذا مات اتبعت جنازته ، و لا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، و لا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها ، و إن اشتريت فاكهة فأهد له ، تفعل فأدخلها سراً ، و لا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ) . رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق .
أرأيت أحكم و أعمق من تلك التوجيهات التي تغلق أبواب الشر و تفتح كل أبواب الخير ، إن الشريعة التي دعت إلى إيصال كل نفع ممكن ، و منع كل أذى متصور ، والوقوف إلى جانب الجار في احتمال الأذى ، و ليس كفه عنه فقط ، من حقوق الجار على الجار ، أن تبدأه بالسلام ، و تعوده في المرض و تعزيه عند المصيبة ، و تهنئه عند الفرح ، و لا تتجاوز عن زلاته ، و تغض عن محارمه ، و تحفظ عليه داره إن غاب ، و تتلطف بولده ، و ترشده إلى ما يجهله من أمر دينه و دنياه .
و هذه ليست قاصرة على الجار المسلم !. إنما قال الإمام أحمد : ( الجيران ثلاثة ، جار له حق ، و هو الذمي الأجنبي ، له حق الجوار ، و جار له حقان : و هو المسلم الأجنبي له حق الجوار و حق الإسلام ، و جار له ثلاثة حقوق ، و هو المسلم القريب ، له حق الجوار و حق الإسلام و حق القرابة ). و أقرب الجوار الباباً هو أولى بالجوار بالرعاية .
قالت عائشة – رضي الله عنها – : ( يا رسول الله ؟ إن لي جارين ، فأيهما أدي ؟. قال : إلى أقربهما منك باباً ) أخرجه البخاري .
هذا ، و قد قال رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ فيما رواه ابن عمر عنه : ( كم من جار متعلق بجاره يقول : يا رب سل هذا لم أغلق بابه ، و منعني فضله ؟! ) .
و قد حدد النص سلوك جار السوء بأنه إن رأى خيراً دفنه ، و رأى شراً أذاعه .
و عن أنس قال رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ : ( ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه ، و هو يعلم ) . رواه الطبراني ، و في هذا من التكافل الاجتماعي ما عجزت كل الأنظمة الوضعية أن تحقق ذرة منه .
و في مسيرة له _ صلى الله عليه و سلم _ قال: ( لا يصحبنا اليوم من آذى جاره ).
و قد جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول الله ! اكسني ، فأعرض عنه ، فأعادها فقال : أ/ا لك جار له فضل ثوبي ؟. قال : بل غير واحد ، قال : فلا يجمع الله بينك و بينه في الجنة ) . كان بالإمكان أن يكسوه _ صلى اله عليه و سلم _ و هل كان أحد مثله في الجود ، و لكنه التشريع الذي يمتد عير الزمان و المكان أو فيه إقامة لون تواصل عبر جسور العطاء و المواساة لابد من أن يقيمها من جاء بالشريعة الجامعة لكل شؤون الحياة المسعدة لكل من أقبل عليها تفقهاً ، و صدر عنها تطبيقاً ، يعم الظاهر و الباطن .
هل ترى بعد هذه الجولة تحت ظلال باقة من النصوص أن من حارب هذه الشريعة أنصف أو من أعرض عنها إلى غيرها أفلح ، أو أن سكان تلك العمارة الشاهقة التي تشبه خلية النحل في اكتظاظها قد نهلوا من رحيق التعاليم الإسلامية ، و قدموا لأنفسهم الخير الحقيقي الذي لا يغني عنه ثقافة التلفاز بتنوعها ، و لا امتلاك الشقق بما طرحته القفزة التقنية الرهيبة بتلوثاتها…..هذا كله يدخل في تحقيق الوجود المادي البحت ، و ما عرضناه يحقق الوجود الإنساني المحض ، و ما قيمة الكتل تزان بالكيلو غرامات ، و ما أسمى الحقائق و المعاني التي تغذي القلوب ، و تنضح الحياة أطيب بأطيب .
