يرجى بيان ما يترتب على وجود الخادمات في البيوت من سلبيات و ايجابيات و ما يتصل بذلك من مخالفات شرعية ؟.
بادئ ذي بدء نقرر من خلال الوقوف على أحكام الشريعة الغراء الشاملة لكل شؤون الحياة أنها أقامت أحكامها على قواعد راسخة ، و حقائق متصلة بالدنيا و الآخرة و بالكون و الإنسان و الحياة ، و أنها قيست على الفطرة السليمة قياساً لا أبدع و لا أدق ، فرسمت بذلك أكمل صورة للحياة ، و أتم منهج يوصل من التزم به إلى سعادة الدارين.
إن الشريعة الإسلامية أطرت للإنسان المسالك الربانية ، و راعت نوازعه و طاقاته و حاجاته المختلفة ، فلم تبخس شيئاً منها ، إنما وظفتها توظيفاً يحقق إيجابيات الحياة ، و يحفظ من سلبياتها ، و لا ترى أبصر من هذه الشريعة في كل ما يطرح في ساح الحياة من حلول و آراء ابتغاء النهوض بها إلى أرقى صورها ، و يكفي أنه ضبط شؤون الإنسان باطناً و ظاهراً ، و ركز شرع الله تعالى على القلب ، و كشف عن آثاره في الجوارح و السلوك ، و أماط عن العلاقة العضوية بين ظاهر الإنسان و باطنه ، و لك أن تقف على عظمة التعبير القرآني : ( يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور ) لتبهر بعمق هذه العلاقة .
رسمت الشريعة علاقات اجتماعية عادلة ، يحقق بها المجتمع أفقا راقياً من الوجود على الصعيدين المادي و المعنوي ، الأخلاقي و النفسي ، العقلي والروحي ، و لعل ما جاء به الشرع من روائع _ و لا غزو فواضه هو مبدع الحياة و الأحياء _ أنه عالج أخطر الجوانب النفسية و أعمقها ، معالجة الحكيم العليم الذي أحاط من النفس بمواقع السيطرة ، و مراحل الانفلات ، جانب الوجدان ، و ما يتصل به من نزوع قاهر ، و فقدان السيطرة !.
و هاكم مثالاُ يجلي مرحلتي : الوجدان و النزوع ، و أيهما بملك اليد ، أو القاهر المستعصية على الضبط ، تمر بحديقة غناء ، فيقع بصرك على زهرة رائعة المنظر ، كريمة الألوان ، تجد _ لا شك _ سطوة هذه الروعة في صدرك ، و هذا الوجدان الذي يحل في النفس عبر الحواس ، و هنا حاسة البصر ، كما أن النغمة الرائعة تسري عبر حاسة السمع ، و اللمس الناعم عبر اللمس ، والرائحة المحلقة عبر الشم…ثم ماذا ؟. تأتي مرحلة النزوع إلى امتلاك تلك الزهرة ، إلى حيازتها ، لمسها ، قطفها ، و هنا تأتي ضوابط النزوع إن كانت ، بطلب لجم النزوع بآثاره بعد الوجدان ، و ما أيسر الوجدان تحصيلاً ، و ما أشق النزوع ضبطاً ، هناك لذة ، و هنا مدّ لهذه اللذة عبر سلوك معين ، إن قدرة الإنسان على منع الوجدان أكبر و أيسر من قدرته على تحجيم أثر النزوع في النفس ، و ما أشبه انهيار النفس أمام هجمة النزوع بعلب الكبريت صفت على نحو ما ، لو انقلبت واحدة لانهار الصف كله في لمحة.
و لنقدم خطة في هذا المسار ، و مهما ضبطنا أبعاده ، سهل علينا طرح المشكلة الخادم و السائق أدق و أعمق و أقوى اقتناعاً ، إن إمكانية وقوع الفاحشة تكبر بمقدار ميسراتها و مغرياتها ، ولهل البدء يتحقق بالوجدان ، وجود المثير الذي يضج به الصدر إزاء ، أو قي إطار الخلوة التي تسري فيها دغدغة الأعصاب و تدليكها من قبل الوسواس ، أو في دائرة النظرة الشهوية ، أو مع جرس الكلمة الناعمة و الصوت الرخي . و الكلام الخاضع المرقق ، أو اللمس المباشر الحار !! ثم ألا ترى أن النظر بريد الزنا ، و أن الكف عن إطلاقه اتقاء لعقباته أيسر ، بل و أهون من الكف عن و عقابيله ، أليس قد جاء الأمر بغض البصر ،و بني عليه الأمر بحفظ الفرج ، وبقوله تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم و يحفظوا فروجهم " . أهناك بيان أروع و أدل على ترتيب السلوك على الوجدان المثير للنزوع من هذا ؟.
نرعب ، فنمتلئ خوفاً ، فنطلق ساقينا للريح ، تشم رائحة العطر ، فتفتح مسام الغدد على مر لمتك تثار دونها ، هذا و قد دلت دراسات كثيرة حول العطور و تأثيرها على ما ذكرنا ، و ثمة مواقع سجلت آلاف الصفحات في هذا الإطار ، و كلها تؤكد أن العطر يصل عبر حاسة الشم إلى النفس ، و لا أقول الجهاز التنفسي ، إذ أن هذا جانب حسي ، و ما نريد بيانه هو الجانب النفسي ، والتداعيات في ساحة الشعور جراء شم العطور . أجل يصل الشم إلى قاع النفس ، فيثير فيه مشاعر و إشارات و معاني ، و يحرض على النزوع ، و لعل لقطات القنوات المروجة للعطور هذا المنحنى ، و هذه الحقيقة و لم لا نضع الحقيقة في صورتها المعصومة حيث يقول الذي لا ينطق عن الهوى _ صلى الله عليه و سلم _ " أيما امرأة خرجت مستعطرة أو استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية ". في مستند الإمام أحمد
( برقم 19338) عن أبي موسى الأشعري ، و لاحظ دقة التعبير و حقيقة الموقف ، و قوة العلاقة بين الوجدان و آثاره في قوله " استعطرت _ ليجدوا _ زانية ". ما أعظم رسول الله و هو يداوي الجراح ، و يمنع السكاكين قبلها من مس الجلود !!.
و لعل هذا يدخلنا إلى الموضوع من أحد أبوابه ، إذ من السلبيات المترتبة على استخدام السائق أن المرأة تتبختر أو تتعطر تريد زيارة صديقة أو قريبة ، فتركب السيارة غافلة عن أن السائق يمثل القوم الذين تمر بهم مستعطرة ، و ينسحب هذا الرجل على الرجل الخادم في البيت ، و تعطر صاحبة البيت ، و هي في بيتها دون التفات إلى خطورة الأمر ، و ربما كانت قضية العطر في البيت دون تعطرها و خروجها مع السائق ، إذ هناك بيوت يعمل بها خدم ، لكنهم يظلون في دائرة خارج إطار البيت حيث حركة النساء هذا الذي ذكرناه يوقفنا أمام : ما المشكلات التي تتأتى من وجود الخدم رجالاً أو نساءً ؟. خادمات يعملن في البيوت ، و فيها شباب و أطفال ، و خدّام يعملون في قيادة السيارات لأصحاب البيوت ، و يسكن في غرفة مفصولة عن حياض البيت غالباً . يدفعنا هذا إلى أن نحدد بعض الآثار السلبية لهذا الواقع ، و إن كنا سلطنا الضوء على قضية العطر ، فما قصدنا أن نحصر همنا فيه ، و إنما كان مدخلاً نقرر فيه مجموعة من الحقائق ، يتسنى بعرضها الوقوف على مدى السلبيات في هذا الواقع و لنتمكن بعد ذلك تحديد ألوان العلاج المناسب .
هناك آفة الاختلاط الذي قلما يحترس منه ، و الخلوة التي كثيراً ما تقع بقصد و بغير قصد ، و النظر الذي لا يضبط فـَيُلم بما لا يجوز ، كذلك الامتداد النفسي الذي تحاول الخادمة أو السائق ، كل على حسب رغباته و تطلعاته ، كما أن هناك الأخطار المترتبة على وجود خادمة شابة بين شباب الأسرة ، و هم في سني الفورة العارمة المشبوبة ، و لنا أن نطل إلى مساحة الموضوع من خلال حجم المخالفات الكبير ، و التعرف إلى : ما الدافع _ يا ترى _ للاستخدام ؟. و ما مدى الحاجة إليه ؟. و ما الدور الذي يقوم به هؤلاء الخدم رجالاً و نساءً ؟. كذلك ما الشروط و الآداب التي ينبغي أن تتحقق مع من نتعاقد معهم كي لا تبقي سلبية إن أمكن ، أو كي تقلل من السلبيات و المخاطر ما استطعنا ؟. علماً أن التربية في عالم الأسرة عملية متشابكة ، متعددة الأطراف ، متنوعة الأساليب ، يشارك فيها بالكلمة الطيبة ، و اللطمة الهادفة ، و الزأرة المعبرة ، و الهمسة المؤثرة ، و البسمة المعبرة . كذلك التقطيب و البشاشة ، إضافة إلى ما يحيط بالذين هم هدف التربية من مؤثرات ، و البناء السلوكي يشارك عوامل كثيرة ، منها ما يفتح المربى عينه عليه ، و البصر أشد الحواس تأثراً و تأثيراً . كله يدخل في التكوين الفكري والسلوكي ، و من هنا جاءت الشريعة بالأحكام و الآداب التي تنمي المشاعر ، و ترقى بالنفوس ،و تنأى بالسلوك عما ينحل به . و على هذا ، و قبل التفصيل في أهم ما ذكر ، و كي نتقي الآثار السلبية في الاستخدام : علينا أن تكون البداية في اختيار الخادم أو الخادمة ، حيث يكون العقد وفق شروط و ضوابط يحرص عليها ، تقوم أساساً على قاعدة الاستقامة و الالتزام ، مع تحديد الدور المنوط بالخادم سائقاً أو غيره ، حيث لا يعدو القيام بالأعمال اليدوية الموكلة إليه ، مع تحجيم كامل العلاقة بين الخادمة و الأطفال ، فلا يترك لها أن تقيم بهم كصلة الأم فتترك _ بذلك _ بصماتها في نفوسهم الغضة ، و على هذا لا نرى أن يكون للخادمة دوراً فيما يسمى المربية التي يستند إليها كل شؤون التربية ، و ربما الرضاع !!.
اللهم إذا كانت الخادمة أو المربية ذات دين و خلق كثقافة الأسرة .
و يظل دور الخادم و السائق أقل خطراً ، إذ دوره في العمل مع السيارة خارج نطاق البيت ، و يقتصر على إيصال و إرجاع إلى أمكنة ترتاد أو إلى البيت ، و عليه أن يكون الأمر في احتياط من أي مخالفة منوطاً بأهل البيت أكثر مما يطالب به ذلك السائق ، و لهل من المؤسف أن ينظر بعض النسوة إلى السائق على أنه كمحرم ، أو مما يبيح له ما لا يحل لبقية الرجال ، فالوجه و ما طلي به من زينة ، و الثوب و ما تغلغل في خيوطه من بخور أو عطور : حرام على الآخرين ، حل لشم السائق و بصره !!، و ليس هذا صواباً ، بل هو معصية مركبة .
و لنقف لحظة أمام حكم الاستخدام أساساً ، لنجد أن الفقهاء قرروا أن حكم الاستخدام يختلف باختلاف الخادم و المخدوم ، و الغرض الداعي إليه ، و يتراوح _ على هذا _ بين الندب و الحرمة ، و بينهما الكراهة ، كذلك : استخدام الذكر للأنثى ، و الأنثى للذكر يجري على القاعدة في أمن الفتنة و عدمه ، و في الامتهان و الإذلال و عدمه .
و قد جاء في الموسوعة الفقهية _ إصدار الكويت _ 1/ 288 "……و كره الحنفية استئجار المرأة للخدمة ، لأنه لا يؤمن معه الاطلاع عليها ، و الوقوع في المعصية ، و لأن الخلوة بها معصية " . وحين أجاز الإمام أحمد ذلك أجازه و قال : " و لكنه يصرف وجهه عن النظر إلى مالا يحل له النظر إليه ، كما أنه لا يخلو معها اتقاءً للفتنة ".
و في إطار الحل قال الفقهاء : الاستخدام حق للزوجة ، و يجب على الزوج للزوجة إخدامها إن كان موسراً ، و كانت شريفة يخدم مثلها ، كذلك لا يحل للزوجة استخدام زوجها إذا كان للإهانة و الإذلال .
و هنا نقرر بعض المخالفات المتوقعة بعد أن نذكر أن كثيراً من الأسرة يدفعها إلى إحضار خادمة ، أو السائق ، دافع الغيرة ، و المنافسة في الظهور دون أن تكون الحاجة الملحة من وراء ذلك . مخالفة تتأتى من النظر إلى ما لا يحل ، نعرض خطوطها العريضة :
إن عورة المرأة بالنسبة لقريبها غير المحرم ، و الأجنبي كلها إلا الوجه و الكفين ، و القريب غير المحرم ، هو كل ما يحل للمرأة الزواج منه ، كابن العم ، و ابن العمة ، و ابن الخال ، و ابن الخالة ، و الأجنبي : من ليس بينها أي صلة قرابة سببية أو نسبي.
جاء في ( رد المختار ) كتاب فقه للسيادة الحنفية ( فصل النظر ) يكره النظر إلى وجه الأجنبية الحرة لغير حاجة ، و لو بلا شهوة ، أما بشهوة فيحرم .
و عن عبد الله ابن مسعود ، قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _
( النظر سهم مسموم من سهام إبليس ، من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه ).
و روى الإمام أحمد _ بإسناد صحيح _ و غيره ، عن عبد الله ابن مسعود ، عن النبي _ صلى الله عليه و سلم _ : ( العينان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، و الفرج يزني ).
و عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ : ( كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضا عن محارم الله ) . و عن جرير قال : سألت رسول الله عن نظرة الفجأة ؟. فقال : اصرف بصرك .
و ما قرره الفقهاء من جواز نظر الخاطب إلى التي يريد الزواج منها بقدر الكفاية يدعم ما تقدم من حكم النظر ….هذا في دائرة النظر ، فماذا في إطار الخلوة المحرمة ؟.
الخلوة بأجنبية لا تجوز لقول الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ : ( لا يخلو أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم ). رواه البخاري و مسلم .
و لقوله : ( من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ليس بينها و بينه محرم ). رواه الطبراني . كذلك لا يجوز له مصافحتها ، و لا مس أي عضو من أعضائها ، لأنها أجنبيه عنه ، و قد ذكر المحقق الشرنبلالي من فقهاء الحنفية أن : ( من مس كف امرأة ليس منها بسيل وضع على كفه جمرٌ يوم القيامة ).
كذلك عطر المرأة في منزلها جائز ، لكنه ورد عن رسول _ صلى الله عليه و سلم _ : ( أي امرأة استعطرت ثم مرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية ) . رواه الحاكم و قال صحيح الإسناد .
كذلك ، كما لا يجوز للمرأة أن تتعطر و تمر بالقوم ليجدوا ريحها لا يجوز أن تتعطر و تتبخر لتركب سيارة يقودها أجنبي عنها ، و لو كان سائقها الخاص ، و لا تضع زينة يراها ذلك السائق ، و أدق من ذلك ، و أوعى في الحماية و سد الذرائع إلى مالا يحمد أنه إن كانت أجنبية و شابه ، يخاف الافتتان بها لم يجز له السلام عليها ، و لو سلم لم يجز لها رد الجواب ، و هذا يستوي فيه المقابلة أو على الهاتف ، و يكره له رد السلام عليها و لو سلمت .
ز قد قال المعصوم _ صلى الله عليه و سلم _ : ( إني لا أصافح النساء ، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمئة امرأة ) . رواه ابن كثير : إسناد صحيح ، و كذلك الترمذي و النسائي و ابن ماجة و مالك ، عن أميمة بنت رقيقة رواه أحمد .
و عن عائشة _ رضي الله عنها _ أن النبي كان إذا بايع النساء بايعهن كلاماً ، و لا يأخذ أيديهن في يده ، فقالت : لا والله ما مستا يده يد امرأة قط في المبايعة ، ما بايعهن إلا بقوله : قد بايعتك على ذلك .
و معروف أن المصافحة فرع من حكم اللمس ، و مس الأجنبية حرام ، قال الرسول : ( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ) . رجال سنده رجال صحيح . و إمعاناً في الحماية العامة جاء أنه يحرم النظر لمالا يحل يحرم التفكير فيه ، لقوله تعالى : ( و لا ييمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) . _ النساء 31_ ، فمنع من التفكير كما منع من النظر . مما يساق هنا أن وسائل التربية في الإسلام تناولت كل أوتار النفس ، و جوانبها بدقة عجيبة بالغة الدقة و الإحاطة ، و لا يتأتى بعضها لأرقى أنظمة التربية في العالم ، و مما أكدته التربية الإسلامية دور القدوة و العادة و الحدث في توجيه المجتمع السلوكي.
و قد قررت النصوص تأثير البيئة في أفرادها ، فها هو ذا نوح _ عليه السلام _ يوضح أن البيئة الجاحدة سترعى الجيل رعاية جاحدة ، قال : ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ) . و أن امرأة لوط قد شاركت قومها في إشاعة الفاحشة تفاعلاً معها .
و هنا نكشف عن جانب سلبي عميق في قضية الخادمات حيث تسعى الخادمة _ إن كانت ذات هدف معين تسعى إلى تحقيقه في المجتمع الذي تعمل فيه _ إلى اللقاء بذور سلوكيات لا تتفق مع البيئة الإسلامية ، أو إلى نفث سموم بذوراً صغيرة قد لا يؤبه لها حتى تنتشر و تصبح شجرة ذات ثمار مرة تستعصي على القلع ، و لعل من الآثار السلبية التي قد لا تكون مستهدفة ذلك التعلق الذي تبنيه الخادمة مع أطفال الأسرة ، حتى أنهم يرون صدرها يحنو عليهم ، و قلبها يخفق لهم ، دون الأم و بقية أفراد الأسرة ، و لشدة التعلق قد يبكي الطفل فتعجز أمه عن إسكاته ، و هي من صلة به : و تأتي الخادمة لطول الالتصاق و شدة الاهتمام و دوام الرعاية فيسكت بين يديها ، و حدث هنا الفراغ الذي ينشأ في نفس الطفل ، حيث غربت شمس لا تقدر على إزاحة كل ظلام في النفس .
و نفثه مصدور هنا تتعلق باللغة ، و الطفولة _ كما هو معلوم _ فترة الإنشاء اللغوي و تمتينه ، و اللغة أذن قبل أن تكون لساناً ، و الخادمة و المربية لو درت العربية كلمات معدودة لفاهت بها ، لكن رائحة العجمى تسطع منها ، و إن تكن فكلامها زراعات في سمع الطفل و بذوره ستبرز للوجود في مراحل الدراسة ، و أي تحطيم للغة أكبر من هذا ؟!.
و لا تقل الخطورة حيث يكون أبناء الأسرة شباباً أو شابات ، فالآثار المترتبة على ذلك آفات لا نقدر على الإحاطة بها ، و خفايا قد لا تظهر إلا بآثارها القاتلة .
و لنا بعد هذه الجولة أن نحدد الآثار السلبية في ميادين النفس و اللغة و السلوك و العادات و الثقافة .
و تتبدا عظمة الشريعة في كل جوانبها : خصوصاً ما يتعلق بمرحلة الوجدان قبل مرحلة النزوع ، حيث تصوغ بيئة منزلية تفتح فيها أبواب الانطلاق الروحي و الفكري و تغلق أبواب الانطلاق النفسي الشهواني ، و تنأى بها عن كلمة غير موزونة تقال ، أ, نظرة شهوية تلقى ، أو لمسة مهيجة تلمس ، و ترى أن الوجدان يمكن الاتقاء منه ، أما الثانية و هي النزوع فبمثابة قاطرة انطلقت منزلقة على سكتها من علو ، و بسرعة البرق ثم فقد السائق المكابح كلها دفعة واحدة ، و ليس له عندها إلا أن يصل إلى القعر حطاماً لا يجبر كسره . و إذا كان ما عرضناه لا يشكل أموراً لا تقع ، فلا أقل من أن يقال : إن من الأمور الممكنة المتوقعة و العاقل حذر ، ينأى بنفسه عما يفضي به إلى الكثير من الضر ابتغاء لعقة واحدة من النفع .
خلاصة ما نصل إليه : إن الاستخدام مشروع بأصله ، لكنه مشروط بشروط و مرتبط بآداب ، و له دوافع مبررة ، فإذا أحكم هذا كله قلّت و كثرت الايجابيات ….. و إلا فالعواقب لا تحمد ، و الآفات لا تحد ، وليس ما رصدناه ندعي فيه الإحاطة ، بل قد ركزنا على الجانب الحسي الملموس دون النفسي المدروس بناء على أن الحسي أقرب للإدراك ، و أدل على ما نريد دلالة لا تتطلب كد ذهن و لا انتظار نتائج عبر سنين إذ ثمة آفات تنبت في النفس شجرتها العلقم بعد سنين من إلقاء بذورها عبر خادمة لتخدم مذهباً أو اتجاهاً هيئت له عبر مؤسسات حاقدة .
