من روائع الحب الإلهي فأين المحبون قال ابن اسحق حدثني عاصم بن عمر ، عن قتادة قال لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن عفراء بن الحارث يارسول الله مايضحك الرب من عبده قال أن يراه قد غمس يده في القتال ، يقاتل حاسراً فنزع عوف درعه ، ثم تقدم حتى قتل شهيداً رضي الله عنه فما أعمق هذا التصديق وما أروع هذه الإجابة كأنه كان لايشعر بلذة إلا لذة النظر إلى وجه الله الكريم ، فشرى نفسه لله تعالى وما أغلى المبتغى فكان بذلك مثلاً أعلى لواقعية قوله عز شأنه ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله فانطلقت على هذا روحه إلى منازل القرب ، مستغرقة في بحار جلال الله ، وقدس عظمته ، فكان آية من آيات الله تمثل الحب الإلهي في أعلى مراتبه ، وأرفع درجاته ، فأحبه الله تعالى ،كماأحب هو الله ، وصار من الذين قال الله فيهم يحبهم ويحبونه وحب الله لعبده أن يستأثر به لنفسه ، فيحرره إلا من عبوديته له وحده ، وحب العبد لربه أن يستخلصه ربه لنفسه ، فلا يرى ، ولايسمع ، ولايحس ، ولايشعر إلا بهذا الحب ،وهو أرقى حب في الوجود كله وكان بحبه ذلك لايقر له قرار إلا بالله ، ولله ، وفي الله ، فـالله تعالى طلبته ، ورضاؤه ،ومنتهى رغائبه هكذا كان عوف بن الحارث ساعة أن سمع النداء الأقدس ، وهو يتهيأ للرحيل على أجنحة الحب ، فاتجهت نفسه إلى الخبيربشؤون التقرب ، وأنواعه ، يستنبؤه عن أقرب طريقة يفضي بها إلى أن يكون ذرة نورانية بين يدي المحب الحبيب ، تتلألأ في آفاق التقرّب ، سابحة في فضاء الأبدية ،إذ انتقل بهذا من دار ، سمة الفناء بادية عليها ، إلى حيث البقاء في دار البقاء التي نحن جميعاً راحلون إليها ، وإنما تختلف المنازل هناك أيما اختلاف فكان عوف هناك لايرى إلا الله في قدس جلاله الذي لايشهده إلا المقرّبون ، إنه أتى الله تعالىراكضاً ، ولك أن تقف على العطاء الإلهي من الجواد ، من خلال ما قاله لنا ومن أتاني يمشي اتيته هروله سبوح قدوس ن رب الملائكة والروح فقال لأمين سر الربوبية صلى الله عليه وسلم يارسول الله مايضحك الرب من عبده سأل ليستجلي به أقصى مايبلغ العبد من القرب في رضا ربه ، فأجابه العليم بذلك المعلم للبشرية صلى الله عليه وسلم فقال غمسه يديه في العدو حاسراً ومعنى هذا الجواب أن يبلغ العبد في حبه لربه درجة ترتفع بها الحواجز الترابية المظلمة ، ويخلع عنه جلاليب البشرية ، ليصير روحانياً خالصاً ، يطير بأجنحة التقديس إلى منازل القرب التي لاتعرف الحدود والحواجز وفهم عوف الرمز ، فباع نفسه لبارئها ، ونزع درعاً كانت عليه ، فرمى بها ، وخلص روحاً نورانياً ، ثم ركض إلى الله حتى بلغ منازل الأحباب ، واستقر في خدورها نوراً يضيء لنا ، و لمن يريد هذه القصة ذكرها ابن إسحاق ، ونقلها عنه الحافظ ابن كثير في البداية ، وعز الدين ابن الأثير في أسد الغابة وابن حجر في الإصابة