ما حكم الإختلاط في ميزان الشريعة ؟
ما حكم الإختلاط في ميزان الشريعة ؟
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:
فإن الجواب على سؤالكم حول الاختلاط يحتاج لتفصيل مطول لارتباطه بأحكام كثيرة، وبما أن المقام مقام فتوى؛ لذا سوف نختصر الجواب بغية الحصول على الحكم المراد في المسؤول عنه.
– وعليه ، فلا بد ابتداء من تعريف الاختلاط: فهو لغة الممازجة، يُقال خَلَطْتُ الشيْء بالشيْءِ فاخْتَلَط. واختلط القوم في الحرب تشابكوا، ورجل خلط: يتحبب إلى الناس ويختلط بهم.
وتعريفه اصطلاحاً: اجتماع الرجال والنساء غير المحارم اجتماعاً يرفع الكلفة، ويزيد الألفة، وهو كذلك تزاحم بالأبدان وتماس بها. وقد وردت كلمة الاختلاط ومشتقاتها في القرآن الكريم: قال تعالى: {ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} أي تشاركوهم في المطعم والمشرب والمسكن والخدمة. وقال تعالى أيضاً: {وإنَّ كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض} فالخلطاء الشركاء والأصحاب. وكذلك وردت الكلمة ومشتقاتها الدالة على المعاني نفسها في السنة ، ومن ذلك ما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)، وما كذلك بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟.
– وقد أخرج أبو داود في سننه عن حمزة ابن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج المسجد فاختلط الرجال بالنساء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"استأخرن" الحديث.
– و بعد هذه التعاريف يمكننا أن نلحظ أنها أشارت إلى نوعي الاختلاط ؛ سواء كان في تماس الأبدان وتقارب الأنفاس ، كما يحدث في الأماكن المزدحمة والضيقة ، ولو لم يكن هناك سابق معرفة ، وهذا ما يسمى بالاختلاط الحسي. أو كان هذا الاختلاط دون تماس غالباً حيث تتكسر الكثير من الحواجز بين الجنسين بسبب طول الاجتماع، فقد يرى الرجل زميلته في العمل أكثر مما يرى زوجته ، وتراه كذلك أكثر مما ترى زوجها ، فينتج عن ذلك سقوط الكلفة ، وزيادة الألفة ، والتبسط في الحديث في حاجة ومن غير حاجة ! ويحصل بذلك تقارب بين القلوب ، واستئناس في أعماق النفوس ، واستحسان للمحادثة والمباثثة ، وتلذذ بالمجالسة ، وتبادل للنكات والطرائف مما يدفع إليه أحيانا ضغط العمل ودفع الملل ، وإظهار الكياسة ، وإبداء التلطف ! وقد يصل بهم الأمرإلى أن يدعوها أو تدعوه أحيانا إلى أن يتناولا الطعام معاً، كل ذلك بحجة الزمالة وسبق المعرفة ، وثقتها بأخلاقه ، وهنا مكمن الخطر.إذ فيه نقل الاختلاط من مجال العمل إلى ميدان التوثيق للعلاقة في رحاب المطاعم والمشارب ، ومجالس الأنس الذي تشرب منه النفوس ، خاصة إذا كان الطرفان- أو أحدهما- لا يستشعران هذا في البيوت !
– ولكل عاقل أن يقارن بين ما يحدثه خضوع المرأة بصوتها، وكذلك صوت خلخالها إذا ضربت به الأرض في طريقها تلفت به إليها الأسماع ثم تستقطب البصار ،وقد نهت الشريعة المرأة عن ذلك لما يحدثه من آثار سلبية، علما أن ترقيق الصوت المنهي عنه في الخطاب ، وضرب النعل بالأرض ربما يحدث مرة ، وبصورة عابرة ، وما أن يقع حتى يختفي ! يقارن بين هذا ، وبين ما يحصل في الاختلاط مما ذكرنا آنفاً من ارتفاع للكلفة وزيادة للألفة وتبسط في الكلام،ترى: أيهما أشد ضرراً على قلب الرجل ونفسه ومشاعره إذا ما قارن ؟!
– قال الله تعالى في كتابه العزيز: {ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} لا تخضعن بالقول: يعني لا ترققن الكلام إذا خاطبتن الرجال غير المحارم ،لما للصوت الناعم من تأثير في الميول ، وكثيراًما يلحنه الشيطان ، فيتسرب إلى سمع السامع " مطربا " وقد عبر أعمى عن هذا المعنى بقوله:
يا قومِ أذني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ … والأذْنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانَا.
– وقوله- تعالى- : " فيطمع الذي في قلبه مرض" أي على المرأة أن لا تخاطب الأجانب كما تخاطب زوجها ومحارمها ،لئلا تثير طمع مرضى القلوب ، والعرب تطلق " المرض " على ما انطوى عليه القلب من النوايا الخبيثة ، فهو مرض النفاق ، ومرض الريبة والشهوة الحرام والفجور!. على أن للمرأة أن تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم أو ترقيق،.
– وقال تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}، فالخضوع بالقول وصوت الخلخال داعيان للزنى وأنهما طريقان إليه، فجاء تحريمهما صداًعن سبيل الفاحشة ومقدماتها ، والمرغبات فيه ، وحسماً للشر من أصله، بل ، وجاء هذا الكلام في كتاب الله صريحاً لكي لا يختلف فيه المسلمون، ولكي يعلموا أن سد الطرق الموصلة للزنى؛ أمر أوجبه الله تعالى ، وليس خاضعاً لاجتهاد عالم، ولا لإنكار منكر.وقد ظهر بهذا التشريع الحكيم أن المعالجة بدأت من " الوجدان " قبل النزوع ، إذ يسهل على الإنسان أن يحمي نفسه من " الوجدان " ولكن يعسرعليه أن يمنع نفسه من " النزوع " الذي هو الثمرة المتصلة به !يرى ويستحسن ، فيجد في نفسه ميلا لما رأى ورغبة فيه ، ومن لم يدرك التركيبة النفسية التي تجعل من ميل الرجل إلى المرأة ، وميل المرأة إلى الرجل أمرا فطريا ، به إذا وضع في أطره السليمة تستمر الحياة بين الاثنين على أروع صورها ، وحكمة الله بادية في هذا لا تخفى على عاقل بصير ، ومن ظن أن بالفوضى في العلاقة بين الرجل والمرأة تستقيم الحياة ، أو أنه لا يصح المغالاة في رسم الحدود بينهما ، لأنه ليس في الميل المتبادل هذه الشرة الآسرة ، فهذا بحاجة إلى طبابة ، إذ برود الميل وتجمده مما أصاب الحياة العارية ، حتى اندفع القوم- معه- إلى طرق من الشذوذ يحرضون به الفطرة التي تبلدت فيهم ، وكذلك الإثارة المستمرة التي جاءت الضوابط الشرعية تحد منها ، وتقيم العلاقة الفطرية بين الرجل والمراة على أروع صورة متوازنة ! دون أن تقضي عليها ، أو تتركها هائجة مدمرة،
– فإذا كان الشرع قد حرم على المرأة أن تخضع بالقول ولو لمرة واحدة مع رجل لا تعرفه في سوق أو مكان عام، وكذلك بالنسبة للخلخال ، فأيهما أشد تأثيراً؛ هذا الذي يحدثه فرقعة الخلخال لامرأة مرت مروراً عابراً برجل أجنبي لا يعرفها، أم الاختلاط بها لساعات طويلة؟!.
– لا ريب لأي عاقل أن الخضوع بالقول بشكل يومي وساعي أشد فتكا في النفس ، وأعمق أثرا في النفس وميولها، وأشد من ذلك تأثيراً مظاهر لا تخلو منها مواضع الاختلاط ،كالتبسم والمداعبة اللطيفة ، والملاينة الصوتية المشبعة بالدفء ، والتبسط في الحديث لإبراز الكياسة والظرافة ، فهي مع طول المجالسة كقطرات الماء الرقيقة تساقط على الصخرة فتكتب عليها بصمتها حفرة تراها العيون ،
– كذلك الأمر بالنسبة للتبرج بألوان التبرج ، والتعطر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يصف المرأة المتطيبة بالزانية، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ". (رواه الإمام أحمد والنسائي) هكذا بكل وضوح وصراحة ليكون التحذير أعمق ، مع أنه عليه الصلاة والسلام كان أعف الناس لساناً، قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:" ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً" ومع ذلك يصف المرأة المتعطرة بهذا الوصف لئلا تتهاون امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، وتلتزم شريعة الله منهج حياتها في هذا الشأن، فالمرأة العاملة في مجمع الرجال يستدعي لقاؤها مع زملاء العمل أن تفوح منها رائحة طيبة ، تستانس به نفوسهم ، إذكيف لها أن تقابل زملاءها في العمل وتعط منها رائحة العرق ونحوها، بل ربما بشعت لها ريحها مشاعر تدفعها دفعا إلى أن تزيلها ، وقل مثل ذلك عن الطالبة في قاعة الدراسة ، تجلس على مقعد واحد مع زميل لها ، وقد شبت وشب عن الطوق ، ودخل في النضج الذي يحرض بأدنى سبب !.
– وكذلك بالنسبة للنظر؛ فكيف يغض أحدهما بصره عن الآخر، وهما يجتمعان في مكان واحد طيلة الوقت، وقد يمارسان عملاً مشتركاً كالطبيب مع زميلته الطبيبة، أو الممرضة في أثناء إجراء عملية ، أو تطبيب مريض، وكذلك الأستاذ مع طالباته أو الأستاذة مع طلابها في قاعة التدريس، أو الطالب مع زميلته في قاعة المختبريعكفان على قارورة واحدة تجمع الوجه إلى الوجه ، كيف يستطيع الطالب أن يتابع شرح معلمته دون النظر إليها مرة بعد أخرى، وكذلك الحال مع زميلاته في القاعة ماذا عساه أن يفعل وكيف يستطيع غض بصره؟ وهو كلما أرسله اصطدم بصره بهذه أو بتلك.
أم كيف يمكن لهؤلاء أن يلتزموا بقول الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم … } وقوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن … }.
– وأين هؤلاء في مثل هذه الأحوال من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اصرف بصرك"، عندما سأله جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن نظر الفجأة ، وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: "ياعلي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الثانية"لأن الأولى لم تكن عن عمد ، بخلاف الثانية فغالباً ما تكون على عمد. وقد قال – عليه الصلاة والسلام – : ""كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ".
ذلك رصد لبعض الإشكالات التي أفرزتها ثقافة الاختلاط، ذلك لأنه نمط اجتماعي غربي لا يتناسب وواقع المجتمعات التي تدين بالإسلام، ناهيك عن ما ينتج عنه من الفساد؛ كالزواج السري الذي يتم دون إذن الأهل، والتحرش الجنسي، والزنى، وليس هذا مقام الحديث عن ذلك هنا، وإن كان أمر الآثار المترتبة على هذا السلوك أشهر من تغطى بكف كبيرة توضع على العين ، حتى في المجتمعات التي قطعت في الإباحية أشواطاً كبيرة ، وربما وقع به من تبوأمنهم مركزاً عالياً في بلده ، بل ليس بسر ما ذهبت إليه تشريعات هؤلاء المتعلقة بهذا المسلك ،حيث إنهم باتوا لا يرون الفاحشة أمراً منكراً ، بل ينكرون على من يراها أمراً منكراً!!
– يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله – وهو يرصد ظاهرة الاختلاط من حيث آثارها ".. لَا رَيْبَ أَنَّ تَمْكِينَ النِّسَاءِ مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ: أَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَشَرٍّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نُزُولِ الْعُقُوبَاتِ الْعَامَّةِ، كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ فَسَادِ أُمُورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ. وَاخْتِلَاطُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْفَوَاحِشِ وَالزِّنَى، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَامِّ، وَالطَّوَاعِينِ الْمُتَّصِلَةِ. فَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَامّ: كَثْرَةُ الزِّنَى، بِسَبَبِ تَمْكِينِ النِّسَاءِ مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ، وَالْمَشْيِ بَيْنَهُمْ مُتَبَرِّجَاتٍ مُتَجَمِّلَاتٍ، وَلَوْ عَلِمَ أَوْلِيَاءُ الْأَمْرِ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الدُّنْيَا وَالرَّعِيَّةِ قَبْلَ الدِّينِ لَكَانُوا أَشَدَّ شَيْءٍ مَنْعًا لِذَلِكَ "ويبين- كما ترى- دور أولياء الأمر من باب " السياسة الشرعية " في تحقيق التصون عبرتنظيمات إدارية ، وترتيبات تمنع أو تحد من الاختلاط
– لكن ماذا لو عرض للمرأة حاجة تدعوها إلى الخروج من منزلها؟ إذا عرضت للمرأة حاجة تسوغ خروجها فلا حرج عليها إن خرجت ملتزمة بالضوابط الشرعية، لكن ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه يكون ضمن ما قررته الشريعة من" أن الضرورات تبيح المحظورات" بَيْدَ أن الضرورة تقدر بقدرها، فيتقي المرءُ ربَّه ويتحرز عما نهاه عنه ما استطاع.
– فإذا اقتضت الضرورة اختلاطًا، ولا يتعدى قدر الاضطرار فيها، وهذا يقدره أهل العلم ويقررون ما يتصل به من أحكام، فهم أعلم بضوابط الضروريات ، وأجدر بعرض الوقائع وتنزيلها على أصول الشريعة وأحكامها، فإذاوجدت ضرورة لا تكون إلاّ مع الاختلاط، فهذا حكمه حكم سائر المحظورات تباح بقدر الحاجة، وبعد انتهائها يعود كل حكم إلى الأصل الذي هو عليه.
– ويدخل في ذلك ما كان في الأماكن العامة وتدعو الحاجة إليه ويشق التحرز عنه، ولا محظور فيه، كاختلاط النساء بالرجال في الأسواق والطرقات لقضاء حاجة؛ كسؤال عن متاع، أو استفتاء ، وسؤال عن حاجة، وبيع وشراء ونحوه، إذ يسعى الجميع في حاجته ذهابًا وإياباً، ويبيعون ويشترون، فلا بأس في هذا ما لم يتلبّس من وَقع فيه بمحرّم خارجٍ عنه، فما هو إلا لقاء عابر، واللقاء العابر لقاء محدود لا تزول به الكلفة، وتلتزم فيه المرأة بالضوابط الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب.
فالاختلاط العابر، في موضع لايخشى منه الفتنة في الغالب، ليس من الصور المحرّمة، بل هو مما تعمّ به البلوى، ويضطر إليه الناس لمعاشهم في كلّ زمانٍ ومكان.
– و هنا نذكر بصفة إجمالية مثالاً رائعاً يبين صورة مثالية تحدد معالم التعامل حال الاضطرار للاختلاط، كيفيته، مثال ذكره القرآن الكريم ليقتدى به ، ويحتذى حذوه، ويتكون من مشهد ضم مجموعة من العناصر الرئيسة النابضة بالحركة والحياة ! فيه : رعاة يسقون أنعامهم ، وامراتان معهما أغنام جاءتا للسقيا، كذلك كان موسى عليه السلام في المشهد ، وقد وصل لتوه إلى " مدين " مشهد يجسد لنا من الحقائق : متى تخرج المراة إلى معترك الحياة العملية خارج البيت ، وما حدود حركتها إذا اضطرت إلى ذلك ، وما دور المجتمع تجاهها ، قال الله تعالى يكشف لناعن ذلك ، وما كان على الماء، وعبر حوار موح: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ". فماالذي نستقيه من هذه الآيات ؟ إن المرأة- ما دامت فطرتها نقية طاهرة لم تتلوث ، أو تتعكر بعكر المجتمع غير المتلزم- تأبى الخلطة المذمومة، وتأنف منها ،لذلك امتنعت المرأتان عن السقيا التي توقع الاختلاط بالرعاء وهم يسقون ،امتنعتا حتى يصدر أي يسقون ماشيتهم ، ويرجعون عن الماء ، فيخلو للمراتين ، ثم إن الحديث الذي دار بين موسى عليه الصلاة والسلام وبينهن ما كان فيه أي شطط أو تجاوز، بل كان مقتضباً، مختصراً، موجهاً للغاية المرادة منه ، وهو المساعدة، ثم إنه عليه الصلاة والسلام ساعدهن ولم يطرح عليهن حتى سؤالاً واحداً خارج إطار المساعدة ، بل أوى إلى الظل والتجأ إلى الله تعالى رغم الحاجة إلى إقامة التعارف بينه وبين المجتمع الذي وصل إليه ، يضاف لهذا أن خروج المرأتين ابتداءً إنما كان معللاً بأن أباهما شيخ كبير لا يقدر على العمل، ويظهر أنه لم يكن له ولد، إذ لو كان لهما أخ لكفاهن مؤونة السقيا ، ثم لو كان أبوهما قادراً على ذلك لما خرجن له ، ومن دقائق التعبير القرآني اللافت أن المرأتين سارعتا لبيان السبب الذي دفع بهما إلى البئر الذي يستقى منه دون أن يفسحا المجال لموسى- عليه السلام- أن يسأل قالتا " وأبونا شيخ كبير " كذلك لم نسمع منهما حتى كلمة شكر توجهتا بها إلى من سقى لهما ، والموقف يتطلب مثل هذا ، ولم يصدر من الكليم أي ترحيب بهما في المرة القادمة ، أو أي همسة فيها : أنا حاضر في الخدمة دائماً ، وأين تسكنان مثلا !!!فالموقف بين أن المجتمع عليه أن يسارع إلى معونة من احتاج إلى المعونة ، وعليه أن يسعى بكل طاقاته لمنع الاختلاط المذموم ، مع مراعاة الحاجة الدافعة إلى الاختلاط ، فموسى- عليه السلام – قد قام مقام المجتمع المسلم إزاء عمل المراة خارج بيتها
ومن فهم نصوص الشريعة ، ونظر فيهانظر المنصف للحقائق الفطرية وجد أنها راعت طبيعة المرأة؛ فلم تُوجِبْ عليها التكاليف التي يكون فيها بروز ومخالطة للرجال، ومن ذلك إيجاب الجُمَع والجماعات على الرجال دون النساء، ومنه فرض الجهاد على الرجال دون النساء إلا في حدود المشاركة المشروعة، وكذلك فرض النفقة على الرجل دون المرأة، لتتفرغ لمهمة هي أرقى مهمة يقوم بها الإنسان في ربوع الحياة ، هي تربية الجيل الراقي الشجاع التقي العامل المخلص النظيف ، ومن لم ير هذا مما يرقى بالمراة فهو عدو للحياة كلها ، وللأجيال برمتها ،ويسعى ليرتوي عبر مزاحمة النساء في حركة الحياة خرج نطاق الأسرة ،ويشبع بصره بما يعود عليه به هذا النظر
– و هنا لا بد من التحذيرمن مفاسد الاختلاط بين الرجال والنساء ، وآفاته الغارقة:
إن في الاختلاط بين الرجال والنساء سواء في الدراسة أو العمل أو غير ذلك، آثاراً سيئة، ومفاسد جلية، على كل من الرجل والمرأة، ومن تلك المفاسد دون استقصاء:
1 – تعطيل الأمر بغضّ البصر، والإدمان على إطلاقه ، بخلاف ما جاءت به الشريعة !
2 – قد يحصل بالاختلاط اللمس المحرم، ومنه المصافحة باليد، وهي حرام لا مراء فيه، ومن زعم أن المصافحة لا تأثير لها في النفس ، فهو إما غارق في برود مريض ، أو هو مكابر ، يخفي ما أحس به ، استجابة لا لما أدمن عليه ، وعجيب ألا يفرق إنسان بين لمسه لخشبة ولمسه ليد امراة ؟ علما أن الدراسات أكدت ـتأثير العطر والنظر واللمس على في النفس ن وقد وظفت هذه الحقائق في دوائر التمثيل ، واللقطات التي تبرز هذا المعنى تعتبر من لقطات الإثارة !
3 – الاختلاط قد يوقع في خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه،خاصة إذا أغلق الباب على الموظف والموظفة ، فهذا يعتبر " خلوة " وهي محرمة.
4 – ومن مفاسده- أيضا- التسبب في بلاء العشق الذي يتلف الدنيا والدين، حيث تَعلق قلب الرجل بالمرأة وافتتانه بها، أوالمراة بالرجل ، وذلك من جراء الخلطة، وطول المعاشرة ، خاصة إذا تولى الشيطان مسألة التزيين والتحسين ، ورش البهارات التي تسطع في الدماغ ، ولا أعون على هذا من أن يكون الرجل ، أو المرأة ، أو كلاهما ، قد فقد في بيته أو في بيتها ، شيئا من المؤانسة ، والاستلطاف ، وهذا يغذى من بؤرة الميول والشهوة
5 – دمار الأسر وخراب البيوت، فكم من رجل أهمل بيته، وضيع أسرته، لانشغال قلبه بزميلته في الدراسة أو العمل، وكم من امرأة ضيعت زوجها وأهملت بيتها، لنفس السبب، بل: كم من حالة طلاق وقعت بسبب العلاقة المحرمة التي أقامها الزوج أو الزوجة، وكان الاختلاط في العمل رائدها وقائدها؟.
6- من آثار الاختلاط ذلك التبرّج والتفنّن بإبداء الزينة والجمال، يصل الأمر إلى الخلاعة والعري من أجل إطفاء شهوة الجنس المحرمة بنص الكتاب والسنة.
7 – ومن آثاره المدمرة انعدام الغيرة، واضمحلال الحياء، وفساد الأخلاق، قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى: "وإذا أردت أن تعرف فضل الحجاب وستر النساء وجوههن عن الأجانب فانظر إلى حال المتحجبات، ماذا يحيط بهن من الحياء، والبعد عن مزاحمة الرجال في الأسواق، والتصون التام عن الوقوع في الرذائل، أو أن تمتد إليهن نظرات فاجرة ! وانظر إلى حال أوليائهن: ماذا لديهم من شرف النفس والحراسة لهذه الفضائل في المحارم؟ وقارن هذا بحال المتبرجة السافرة عن وجهها التي تُقَلِّب وجهها في وجوه الرجال، وقد تساقطت منها هذه الفضائل بقدر ما لديها من سفور وتهتك، وقد ترى السافرة الفاجرة تحادث أجنبياً فاجراً تظن من حالهما أنهما زوجان بعقد أُشْهِد عليه أبو هريرة – رضي الله عنه -، ولو رآها زوجها وهي على هذه الحال، لما تحركت منه شعرة، لموت غيرته، نعوذ بالله من موت الغيرة " وبدهي هنا أنها الغيرة الصحية ، لا الغيرة المرضية التي تهدم الثقة ، وتفضي إلى ويلات القلق الذي لا سبب له إلا فوران معنى في النفس يشعر معه صاحبه أنه- دون أي دليل- يراد الاعتداء على عرضه ، ، فلا برود الغيرة حتى يعجز الشمس تسخينها ، ولا فوران بركانها الجارف الذي يمتليء صدر صاحبها بالشك المدمرللثقة والطمأنينة !
