ما الحدود المأذون بها في الكذب على الزوجة ؟
بداية أشكر لك – أختنا الكريمة – الرغبة في التثبت من حكم شرعي بلغك فاستوقفك ، لأن ظاهره يورث في النفس قلقا ،ً لأنه قد استقر فيها من الحقائق مايبدو متعارضا ً مع هذا الحكم ! ومن هذه الحقائق المستقرة أن الكذب كبيرة من الكبائر ، وأن من صفات المنافق أنه إذا حدث كذب ، وأن الحياة الزوجية الأصل فيها أن تقوم على قاعدة الصدق والإخلاص والوفاء والمودة ، فإذا طرق السمع مع هذه المعطيات أنه يجوز للزوج أن يكذب على زوجته ، فما الذي بقي من هذه الحقائق ، وكذلك يحدث في النفس تعارضا ً بين النصوص ، وتوترا يغذيه استحضار " جواز كذب الزوج على زوجته " مع كل خبر" يفوه به الزوج ، ولنا أن نتصور الحالة الأسرية مع التشكيك المستمر ، وهنا تضيف الأخت السائلة لتقول : وماذا لو كان الزوج فاسقا ً ؟ يعني أنه قد جمع مع فسقه جواز أن يكذب ، فما الذي بقي له من مصداقية في حياته الزوجية ؟ وهذا كله يزيد الأمر تأزما ً ،علما أن الزوج إذا كان فاسقا فلا يزيده شينا أن يكذب !! وها أنا ذا أعرض بعض ماجاء في هذا الشأن من نصوص ، وماقاله العلماء فيها ، وماحدود هذا السلوك حيث أجيز ؟ وما الحكمة منه حيث أذن به في حدوده ، وأضم لهذا ما استثنى من حرمة " الكذب " لاعتبارات دقيقة ، وهي من الخطورة بمكان أن تؤخذ على إطلاقها ! بداية أسوق بعض ماورد من أحاديث في هذا الشأن : عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت : " ما سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث : الرجل يقول القول يريد به الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث امرأته ، والمرأة تحدث زوجها " . وعن عطاء بن يسار قال : " جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يارسول الله! هل عليّ جناح أن أكذب أهلي ؟ قال : لا ، فلا يحب الله الكذب ، قال : يا رسول الله ! استصلحها واستطيب نفسها ، قال : لاجناح عليك " ، فقوله " لاجناح عليك " يعني : في الكذب على الزوجة تطييبا ً لنفسها . قال القاضي عياض قوله " والرجل يحدث امرأته … " : يحتمل أن يكون فيما يخبر به كل منهما بما له فيه من المحبة والاغتباط ، وإن كان كذبا ،ً لما فيه من الإصلاح ودوام الألفة . وهنا يركز على الغرض من جواز الكذب ، وأنه عملية " استصلاح وتطييب نفس " وهذا لا يسلك إلا إذا سدت طرق الصدق إليه ، أما إذا كان الصدق هو السبيل ، فلا يخرج عنه إلى الكذب ،ثم هناك المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب ،وقد فرق العلماء بين الكذب والمعاريض ، فالمعاريض أقوال يفهم منها الأمر الذي يسر، دون أن يكون في ذلك من الكذب ذرة ، هي حسن العرض بأسلوب يفضي إلى خير دون كذب ، ومن أمثله مايروى أن الخليفة المنصور كان في بستان وكان معه الربيه : فقال له : ماهذه الشجرة ؟ قال الربيع : شجرة الوفاق ياأمير المؤمنين ، وكانت تلك الشجرة تسمى شجرة الخلاف ، فتفاءل المنصور وعجب من كناية الربيع . وفي الحديث : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " الجامع الصغير للسيوطي 2332 وروي مرفوعا ً وموقوفا ً ، أي: في المعاريض سعة عن تعمد الكذب والتعريض : تضمين الكلام دلالة ليس لها فيه ذكر، مثاله : أم سليم مات ابنها، وقد جاء زوجها أبوالطفل ، وكان يعلم أن ابنه مريض ، لكن الولد مات فلم تخبره بموته ولما سألها عن حالته قالت لقد سكن الصبي واستراح ، ففهم أنه استراح من المرض ، وهي تقصد أنه مات ، ثم قدمت له العشاء ، وحصل بينهما لقاء الزوجين ، ثم بعد ذلك أخبرته : فقولهاعن الطفل لما سألها عنه هو أسكن ما يكون من المعاريض الدقيقة . وعليه ، لايكون من الكذب المباح للزوج أن يعدها بشيء لايريد أن يفي به لها ، أوأن يخبرها بأنه اشترى لها الحاجة الفلانية بسعر كذا ، يعني أكثر من الواقع ترضية لها ، لأن ذلك قد ينكشف لها فيما بعد فيكون سببا لتسيء ظنها بزوجها مطلقا ، وهذا من الفساد لامن الإصلاح . هذا ، وقد قرر العلماء بناء على النصوص كلها بعدما اتفقوا على حرمة الكذب ، فقالوا : يجوز الكذب في ثلاث حالات فقط : أولا ً : في الحرب فإن الحرب خدعة ثانيا ً : في الإصلاح بين الناس ، فيجوز الكذب لتصلح بين اثنين متشاحنين .. وعليه فإنه لا يكذب للإصلاح إلا إذا تعذرالإصلاح عن طريق الصدق المحض ، ويؤتى بالكذب ليقرب بين النفوس المتنافرة ، كأن يقول للأول إن فلانا- الذي بينه وبينه خلاف- يقول عنك كلاما ً طيبا ً ، ويمدحك بالرغم من أن الآخرربما كان يسبه ، ويذهب للآخر ليقول له نفس الكلام . وهنا تستحضر نية الإصلاح بهذا الكلام . ثالثا ً : الكذب على الزوجة ، وليس المقصود به أن يخونها- مثلا- ويكذب عليها ، ليستر فعلته ، بل المقصود أن يكذب فيما يرضيها ويصلحها ، فيقول مثلا ً : أنت أجمل النساء مثلا ً! أو أطيب النساء! أو أحنّ النساء ،أو أنا بك أسعد زوج في العالم ! . يتفنن في الكذب في هذه النقطة ،ولولم تكن في نظره كذلك ، ورغم يقينها أنها ليست كذلك .. ولكنها ترغب في أن تكون هذه صورتها في نظر زوجها ، ويكاد يكون لونا من ألوان الحفز على التسامي في السلوك ، وقد يسلك هذا المسلك بعض المدرسين مع بعض الطلاب ليشد من عزيمته .. ، ولذلك تجد المرأة راحة شديدة عندما يحدثها زوجها في المعاني التي تتخيلها في نفسها ، ومن هنا ، وبهذا الدافع البناء أجاز الشرع الكذب على الزوجة ، ويتبين مما ذكرت أن حديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها ، ليس المقصود منه الكذب على إطلاقه في الشاردة والواردة ، والطالعة والنازلة ،فهذا يفقد الثقة بين الزوجين ، وعليه ،لا يجوز للرجل أن يكذب على زوجته مطلقا ً إنما الحديث الذي فيه إدخال السرور على المرأة من حيث إظهار محبتها والتودد إليها ، وأن يظهر لها من سروره وفرحته بها ونحو ذلك ، وأنه لايحب غيرها ، وأنه يريدها أن تبقى له زوجة في الدينا والآخرة ، وهكذا مما يراد به إدخال السرور على قلبها ، وينبغي هنا أن يستحضر وهو يقول مثل هذا القول أنه يريد بذلك تأليف قلبها ، وتطمين نفسها إليه . وكذلك المرأة أيضا ً تظهر حسن العشرة مع زوجها ، فهذا ما لا بأس فيه في حدوده ، وليس معنى هذا التوسع في الكذب على الزوجة ، أو توسع الزوجة في الكذب على زوجها ، بلا أي ضابط !!.. وهذا مع الأسف مما يتساهل به بعض الناس ، يعني ، لايجوز للزوج أن يكذب عليها كذبا يؤدي إلى تضييع حقها الثابت لها في ذمته مثلا ، كأن يخبرها أن الأسهم التي أعطته إياها قد خسرت . ولايجوز أيضا ً للزوجة أن تقول لزوجها : إنني فعلت كذا ، ولم تفعل ً ، فالكذب الذي فيه مخالفة للواقع لايجوز بأي حال ، لكن ما أذن منه ،وفيه شيء من التودد بينهما في حديث الرجل مع أهله كما قال الله – عزوجل – : ( وقد أفضى بعضكم إلى بعض) وفيه شيء من المصلحة ، فإن لم تكن- هناك- مصلحة معتبرة شرعا ً ، فعلى الرجل أن يجتنبه ، فإنه بئس الخلق ، على أنه إذا صار هذا السلوك مكشوفا ً فقد أثره بل وانقلب إلى إفساد للعلاقة ، فكم من امرأة تقول إن زوجها يكذب عليها في حالات كثيرة ، ويدعي أن الكذب على الزوجة جائز شرعا ً ، وفي مثل هذه الحالة يذكر للزوجين معا ً أن الكذب خصلة ذميمة وذنب من أقبح الذنوب وقد تظاهرت الآيات والأحاديث على تحريم الكذب بشكل عام فقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ً " / رواه البخاري ومسلم ، هذا هو الأصل في الكذب أنه محرم وأنه فاحشة من فواحش الذنوب ، ولكن هذا الأصل له استثناء ، وهذا المستثنى له مقاصد تراعى ، فقد أجاز الشرع الكذب في بعض المواطن ، وجعله مباحا ً ، قال الإمام النووي رحمه الله : " اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرما ً فيجوز في بعض الأحوال إلى أن قال " إن الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه ، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب ، ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا ً كان الكذب مباحا ً وإن كان واجبا ً كان الكذب واجبا ً ، فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله ، أو أخذ ماله ، وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه ، وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائه ، والأحوط في ذلك كله أن يوري ، ومعنى التورية أن يقصد في كلامه مقصودا ً صحيحا ً ليس هو كاذبا ً بالنسبة إليه وإن كان كاذبا ً في ظاهر اللفظ بالنسبة إلى مايفهمه المخاطب ، ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال " / رياض الصالحين ص 592 . وأسوق هنا مثالا لبعض المواقف التي ترتفع بها درجة حرارة البيت حتى الاختناق ، فمن حيث لايجب على الزوج أن يخبر زوجته بمقدار دخله- مثلا- وحشرته تريد أن تعرف كم له ،وكم عليه ، وربما كان إخبارها ليس في مصلحة الأسرة ، ولا في مصلحة الوضع النفسي للزوجة ، وكتم ذلك ، أو قال لها ما يرضيها على أمل أن يحقق الله له ذلك ، ففي هذا شيء من البحبوحة في أحاديث الزوجين ! ،وقد تتذمر المرأة من مثل هذا ، وتقول عن زوجها إنه لا يمسك بحال ، ولا يعرف ظهره من بطنه ، وتتمادى لتقول عنه: إنه يكذب كثيرا ً حتى يخرج نفسه من أصعب المواقف ،وقد حاولت جاهدة بأن أعرف لماذا يكذب عليّ ، وأنا شريكة حياته ، وقد واجهته بكذبه ، ولكنه ينكر ،وتتخذ من المواقف الجافة ما يصعب معالجته ، وربما تذهب إلى منزل أهلها ….هي تصرعلى أنه لا رجوع حتى يترك زوجها الكذب ، هذا ، وننبه- هنا- إلى أن خروج الزوجة من البيت من غير موجب شرعي يعد معصية ، ولايجوز، ولايبرره كذب الزوج . وقد استثنى العلماء من الكذب الذي هو كبيرة من الكبائر مادعت إليه مصلحة ، ككذب الزوج على زوجته والعكس ، فيما ينمّي العلاقة الزوجة مع الحرص على اتخاذ المعاريض من غير اللجوء إلى الكذب صراحة ماأمكن ذلك . ووجه إباحة الكذب هو تغليب جانب مصلحة العلاقة الزوجية ، والحرص على استمرارها في صفاء وود بعيدا ً عن الخلاف عند حدوث المصارحة في الأمر المتحدث فيه . ومحل جواز الكذب مالم يفوت حقا ً للمكذوب عليه وإلا حرم . وعلى هذا فإن كان كذب الزوج في الأمور التي لايترتب عليها تفويت حق للزوجة عليه ، فهذا كذب مشروع ، وعليها بالصبر على زوجها ومجانبة اتباع هفواته ، لئلا تدخل العلاقة بين الزوجين في مشاكل قد تفتح عليهما أبوابا ً هما في غنى عنها ، بل قد تجر على الأسرة مالا تحمد عقباه . وقال الإمام النووي : " وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به إظهار الود والوعد بما لايلزم ونحو ذلك ، ولابد من أن يفيد كل حال من الأحوال التي رخص فيها بالكذب بقيودها الشرعية ، وألا يسلك إلى الكذب فيها إلا إذا تعذر الصدق الذي هو الأساس الذي تبنى عليه العلاقة بين الزوجين ، فأما المخادعة في صنع ماعليه أو عليها أو أخذ ماليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين " / شرح النووي على مسلم 16/158 . وبهذا يظهر جواز الكذب بين الزوجين إذا كان في ذلك محافظة على الحياة الزوجية ومنع لهدمه فإذا سأل الزوج زوجته عل تحبه فعليها أن تجيبه بنعم وإن كانت تكرهه محافظة على بقاء الأسرة واستمرارية الحياة الزوجية وكما قال عمر- رضي الله عنه – لتلك المرأة : " فإن كانت إحداكن لاتحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب " / انظر الموسوعة الفقهية 1/45 كاملة (ج2/ص8479 ) . وخلاصة الأمر أن هنالك أحوالا ً يجوز فيها الكذب وقد وردت في أحاديث عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومنها : مارواه البخاري ومسلم في صحيحهما أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ً أو يقول خيرا ً " .. مارواه مسلم في صحيحه أن أم كلثوم بنت عقبة قالت : ولم أسمعه- أي الرسول صلى الله عليه وسلم – يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها " وهذا الحديث يدل على جواز أن يكذب الرجل على زوجته وكذلك المرأة على زوجها ولكن أهل العلم قيدوا كذب الرجل على امرأته وعكسه بأن يكون الكذب فيما يتعلق بأمر المعاشرة وحصول الألفة بينهما ، قال الخطابي : " كذب الرجل على زوجته أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من الحبة أكثر مما في نفسه يستديم بذلك صحبتها ويصلح من خلقها " / عون المعبود 13/179. قال الحافظ ابن حجر " واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل وإنما هو فيما لايسقط حقا ً عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها " / فتح الباري 6/228 وعلى هذا المذاهب الأربعة ، إلا أن المالكية كرهوا ذلك . والأولى لك أن تستخدم المعاريض ، في المعاريض مندوحة بالكذب . وقد ألحق العلماء حالة إخبار الطبيب مريض بما عليه حالته المرضية ، فإذا كان ذلك يؤدي إلى انهياره نفسيا ً ويستدعي تفاقم حالته ، فليس بعيدا ً أنه يجوز الكذب على المريض في تلك الحالة التي لو أخبرناه بالحقيقة لأدى ذلك إلى تلفه أو تلف عقله أو زيادة مرضه أو تأخر برئه من باب أولى .
