الثلاثاء 2 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 15 سبتمبر 2026م

ماحكم الغش في الامتحانات؟

وقع أن غششت في امتحان الثانوية مع أني من المجتهدين ، و دخلت الجامعة ثم نابني شعور مؤلم أن ما أنا عليه من الدراسة الجامعية بني على باطل ، ثم تخرجت لأعمل ، و ازداد لسع ضميري حتى بت قلقاً ، و ساورني أن ما آخذه من راتب ممن عملي حرام ، أرشدوني إلى الصواب . قال تعالى : ( و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به )

أخي الكريم :_

زادك لله حرصاً على نقاء السلوك ، و زادك بصير تمكنك من الإصابة في الحكم.

إني أحمد الله تعالى و أصلي و أسلم على رسوله المبعوث رحمة للعالمين ، و أقول :_

قد اطلعت على رسالتك التي لخصتها في صورة السؤال ، و التي بدأتها من نقطة ما جرى من غش في مادتين من المقرر ، ثم تنامت الخواطر فيها ، و اشتدت المحاسبة ، حتى جعلت ما كان من أمر هاتين المادتين مساوياً لكل المواد الأخرى التي نجحت فيها ، فألغيت حتى الشهادة التي حصلت عليها ، و كأنك لم تدرس سوى هاتين المادتين ، و لم تعط الشهادة إلا بهاتين المادتين ، ولم توظف إلا عليها و كأنك لم توظف إلا لأنك نجحت فيها ، أقول : تدرجت في المحاسبة حتى وصلت إلى محيط متلاطم من الندم و اللوم و الإلغاء و جلد النفس ، و حسبك ذلك في قفص ضيق كاد صدرك فيه أن يختنق ، و قد غذيت هذه الحالة بما عرضت من فتاوى و أجريت من قياس و أسقطت من أحكام ، و لم تكن منصفاً في كثير منها مع نفسك ، و إليك البيان :

_ إنما ذكرت أنك من الأوائل ، و أنك ذاكرت المادتين جيداً ، لكن لم يسعف الوقت لإعادة المذاكرة ، مما دفع إلى الغش ، و قلت إنك لا تدري إن كان بالإمكان أن تجيب إجابة جيدة بناءً عل المذاكرة الأولى لولا الغش ، و هذا يعني أنك لست متأكداً من دور الغش في النتيجة التي حصدتها ، و بقي الأمر متلبساً ، و ما صرت إليه من لوم نفسك لا يعدو تفكيراً ألم بنفسك الصافية ، أو دنس أو وقع على ثوب أبيض ، و الصفاء و البياض لا يحتملان أدنى عكر أو دنس ، و إذا كان الأمر كذلك ، فليس هناك مسوغ لتلك السلسة من التطورات النفسية الحادة الخائفة التي ألغت كل المواد التي نجحت فيها دون عش و كل الجهود المبذولة حتى في هاتين المادتين ، و تمحو الشهادة نفسها التي هي نتاج من المادتين و ليست قاصرة عليهما البتة . إنك طحنت نفسك التي كانت في الصف المتقدم و ظلمتها أيما ظلم ، ذلك أن العدل أن تضع الأمور في مواضعها ، و تحاسب نفسك حسابها المنصف لا المجحف ، فلم محوت استعدادك المتقدم بناءً على ما عرض لك من الاستعانة بزميل لك في قاعة الاختبار ، و أنت على خبر في أن النفس في لحظات الضعف قد تقع في محظور منه ليس مستحيلاً ، و ما ينبغي أن تعاقب نفسك بأكثر مما طلب منك بالشرع ، و إلا تكون مطية كوابيس لا يحركها الورع ، و إنما ينفذ بها الشيطان مصيدة للإيقاع بك حيث يوصلك إلى تدمير كامل لكل الحصاد التي بذلت له جهوداً ما يصح أن تلغى ، و إلا فالشهادة التي حصلت عليها بنيت على سهر و دراسة و جهود ، فلم تلغى من أجل سطر أو سطرين ؟.

ثم الأهم مما سبق أن الاختبارات التي تجريها ليست مطابقة تماماً للجهود المبذولة ، و لكنها أقرب ما يكون إلى المطابقة ، و لهذا بدلت كثير من الدول صيغ اختبارات و طرائقها ، و هناك دول لا تمانع اصطحاب الطالب في بعض المواد مراجع معه إلى قاعة الامتحان ، وهنا يكون لطريقة أسئلة و مدى هضم الطالب للمادة ، لأن المهم قياس مدى استيعاب الطالب ، لا إيقاعه في فخ السؤال اللغز ، ثم هناك وزارات تربية تضيف درجات للطالب ، لترقى بنسبة النجاح ، و تبني هذه الزيادة على بناء الأسئلة ، أو مدى ملائمتها للمستوى العام للطلاب ، و يقدر هاهنا أن بعض الطلاب لم تحالفهم الذاكرة وقت الاختبار ، أو ربما شغلوا قبل الدخول للاختبار بما أعاق أمر الذاكرة ، فلم نضيع الطالب من حيث بذل من جهود طوال العام من أجل ساعة يدخل فيها إلى قاعة الاختبار بتوتر نفسي لا ينجو منه طالب ، و بحالات عارضة تلم بالبيوت ليلة الامتحان فتمنع الطالب من الاستعادة الصحيحة الكاملة لما سيقدم في الاختبار ، أو ربما ألم به صداع أذهب عنه بعض المعلومات أو منعه من التركيز .

ألم تر أن من يضيع جدول الامتحان يراعي قضية المواد و يرتبها حسب الصعوبة و ضخامة المعطى ، و ربما أعطوا الطالب يوماً قبل المادة الفلانية ابتغاء إقداره على المراجعة .

من كل هذا نتبين أن الامتحانات ليست المقياس الموضوعي الصارم لما حصل الطالب ، ألا ترى أنه ربما ندت من ذاكرة الطالب الفكرة الصحيحة ، و ما يذكرها إلا حين يغادر قاعة الامتحان ، فترجع إلى ساحة الشعور و بؤرته بعد ما بخرتها حرارة الموقف ، و لا يمكنه عند ذلك أن يعود ليسجلها على ورقة الإجابة ، أيصح مع هذا أن نهدر سنة كاملة على مقاعد الدرس و متابعة المدرس و المذاكرة و هضم المعلومة من أجل أن الذاكرة قد خانته وقتها .

إنه _ أخي الكريم _ إن كان لا يكفيك بدلاً من نسف جهودك و دخولك في أزمة حادة صورت لك أنه لا مخرج مما أنت فيه إلا أن تلغي الشهادة و الجهود التي أثمرتها ، و تطلق الحياة و تغلق عليك بابك ، أقول بدلاً من هذا كله أو بعضه كان يكفيك ما قام في نفسك من ندم شربت منه كؤوساً ملأى ، و ما جلدت به نفسك من تأنيب حاد أظلم عليك حياتك و عمى على كل الإمكانات التي أعطاك الله تعالى إياها ، كان يكفيك أنك ندمت و استغفرت و أنت خبير أن المشرك إذا عاد إلى الله بالتوحيد قبله الله تعالى ، و أنت تعلم أي ذنب تصح التوبة منه ، و أن ما ألممت به لا يعدو غفلة ألمت ، أغرت بها ظروف عارضة ، ثم انتهى الأمر على هذا ، أما أن تجعل الشهادة قائمة بهاتين المادتين ، و الغش فيهما غش في كل الشهادة ، فلا ثم لا . ثم أنت بصير بأن المواد التي تدرسها في مراحل الدراسة لا طعم لها و لا دور لها في بناء شخصيتنا العملية ، و كم مون مادة لم يبق منها في الذاكرة إلا الاسم دون أي مضمون ، و مع ذلك نقوم بدورنا في الحياة حسب التخصص و بأحسن ما يكو ، و تكون جهودنا عطاءً مقبولاً إن شاء الله تعالى ، و لتكن طبيباً مثلاً ! ألا ترى أن الخبرة العملية تأتي تتويجاً للشهادة ، و أنه لا يقبل منه أن يمارس الطب بناء على ما حصل من شهادة و نجح فيه من مواد ، ألا ترى أن الممارسة تعني أنه هضم ما يمارسه تجاه مرضاه ………

وفقنا الله للنظر السديد و الموقف الصائب.

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#كشف رحيق الواقعة- كم نحن بحاجة لمثل هذا في عصرنا الذي كثر فيه الهدامون والعابثون بأحكام الشريعة حتى سمعت أن هناك من يدعو لإلغاء الميراث ، وإلى الحج عبر الزووم!!! Online هزلت والله* من لطائف العلامة المختار ابن بونا رحمه الله المتوفى سنة 1220 هجرية أن رجلا قال ذات يوم لزوجه وقد سألته شيئا: “لك ما أحببتِ”، فأخذت ثلاث تطليقات، ثم بكت.- فقام يطلب فتوى من علماء زمنه في هذا فكلهم أفتى بالتحريم، حتى أتى المختار بن بونا فقص عليه القَصَصَ، فقال له: لم تطلَّق واحدة أحرى ثلاثا، إنما أعطيتها ما أحبتوما رضيت، والثلاث لا تحبها ، ولا ترضَى بها، وهي محبة لك ، والدليل على ذلك بكاؤها.- ولما بلغ ذلك تلميذَه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي قال: إن ابن بونا يأخذ من مآخذ لا يُأخذ منها غيره لجودة فهمه. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#المروءة سلوك راق- من القيم التي نهضت بها الأمة وتسنمت بها قمة العطاء * قَالَ الأحنف بن قيس: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُوْنَ، قَالُوا فِيْهِ مَا لَا يَعْلَمُوْنَ.- ولما سُئِلَ: مَا المُرُوْءةُ؟ قَالَ كِتْمَانُ السِّرِّ ، وَالبُعْدُ مِنَ الشَّرِّ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#عبارة للتقويم ولكم حرية النقض** لعل هذه العبارات قرأتها في كتاب الرافعي ولست متأكداً ، فهل يرى القاريء فيها ما لا يصلح :* الغصن الذي يقطع شجرته- قصدت به الفرد ينفصل عن المجتمع بدسيسة ما ، ويعمل على تقويضه* لعن الله الشجرة التي تشتم ساقيها- أردت به الولد الذي يعق والديه ، ويشتم ، وينتقص ، ويقبح ، ويزدري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#حوار مع السحب* نظرت إلى السماء فإذا بسحب تغطي جانباً من زرقتها الخلابة ، فانبعث فيّ تساؤل لم أكتمه بل توجهت به على السحب : أأنت مما قال الله -جل جلاله- عنك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}(1)* أو أنت من المعصرات اللاتي يجئن بما تزدهي به الأرض بثوب العروس ثوبها الزهري ، وتبتهج ، فقال عنها رب العزة والجلال: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16)} (2)* أم أنك - لا سمح الله - التي نزل بها قوله -تعالى- وكان بك العذاب على من تمرد على مالك الملك {فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24)}(3)- عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} قَالَ: " الْمُعْصِرَاتُ: الرِّيَاحُ "- قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً } قال: المعصرات: السحاب يعصر بعضها بعضا فيخرج الماء من بين السحابتين.** سارعت لتطمئن وعللت بأن هذه الأمة محمية من مثل هذا ما دامت على المحجة التي تقلتها عن التابعين عن الصحابة عن الرسول عن الله سبحانه (1) سورة النور(2) سورة النبأ (3) سورة الأحقاف ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#الرفيق الذي لا يصلح للصحبة- ضرب الأمثال من أوجه جمال لغتنا الأثيرة- الأمثال في لغتنا أسلوب في التعبير عن حالة ، أو واقعة لها بصمة في نفس صائغ المثل- لكل مثل مضرب يكون فيه سبب الإنشاء مماثلاً أو مقارباً لسبب الإعادة ، وما قالوا من الأمثال :* " لَا يَصْلُحُ رَفِيْقَاً مَنْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَاً"- يضرب لمن يَكْظِمْ الغَيْظَ ونصب "رفيقاً" على الحال، وأراد بالريق ريقَ الغَضب. ...
View on Facebook (opens in a new tab)