وقع أن غششت في امتحان الثانوية مع أني من المجتهدين ، و دخلت الجامعة ثم نابني شعور مؤلم أن ما أنا عليه من الدراسة الجامعية بني على باطل ، ثم تخرجت لأعمل ، و ازداد لسع ضميري حتى بت قلقاً ، و ساورني أن ما آخذه من راتب ممن عملي حرام ، أرشدوني إلى الصواب . قال تعالى : ( و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به )
أخي الكريم :_
زادك لله حرصاً على نقاء السلوك ، و زادك بصير تمكنك من الإصابة في الحكم.
إني أحمد الله تعالى و أصلي و أسلم على رسوله المبعوث رحمة للعالمين ، و أقول :_
قد اطلعت على رسالتك التي لخصتها في صورة السؤال ، و التي بدأتها من نقطة ما جرى من غش في مادتين من المقرر ، ثم تنامت الخواطر فيها ، و اشتدت المحاسبة ، حتى جعلت ما كان من أمر هاتين المادتين مساوياً لكل المواد الأخرى التي نجحت فيها ، فألغيت حتى الشهادة التي حصلت عليها ، و كأنك لم تدرس سوى هاتين المادتين ، و لم تعط الشهادة إلا بهاتين المادتين ، ولم توظف إلا عليها و كأنك لم توظف إلا لأنك نجحت فيها ، أقول : تدرجت في المحاسبة حتى وصلت إلى محيط متلاطم من الندم و اللوم و الإلغاء و جلد النفس ، و حسبك ذلك في قفص ضيق كاد صدرك فيه أن يختنق ، و قد غذيت هذه الحالة بما عرضت من فتاوى و أجريت من قياس و أسقطت من أحكام ، و لم تكن منصفاً في كثير منها مع نفسك ، و إليك البيان :
_ إنما ذكرت أنك من الأوائل ، و أنك ذاكرت المادتين جيداً ، لكن لم يسعف الوقت لإعادة المذاكرة ، مما دفع إلى الغش ، و قلت إنك لا تدري إن كان بالإمكان أن تجيب إجابة جيدة بناءً عل المذاكرة الأولى لولا الغش ، و هذا يعني أنك لست متأكداً من دور الغش في النتيجة التي حصدتها ، و بقي الأمر متلبساً ، و ما صرت إليه من لوم نفسك لا يعدو تفكيراً ألم بنفسك الصافية ، أو دنس أو وقع على ثوب أبيض ، و الصفاء و البياض لا يحتملان أدنى عكر أو دنس ، و إذا كان الأمر كذلك ، فليس هناك مسوغ لتلك السلسة من التطورات النفسية الحادة الخائفة التي ألغت كل المواد التي نجحت فيها دون عش و كل الجهود المبذولة حتى في هاتين المادتين ، و تمحو الشهادة نفسها التي هي نتاج من المادتين و ليست قاصرة عليهما البتة . إنك طحنت نفسك التي كانت في الصف المتقدم و ظلمتها أيما ظلم ، ذلك أن العدل أن تضع الأمور في مواضعها ، و تحاسب نفسك حسابها المنصف لا المجحف ، فلم محوت استعدادك المتقدم بناءً على ما عرض لك من الاستعانة بزميل لك في قاعة الاختبار ، و أنت على خبر في أن النفس في لحظات الضعف قد تقع في محظور منه ليس مستحيلاً ، و ما ينبغي أن تعاقب نفسك بأكثر مما طلب منك بالشرع ، و إلا تكون مطية كوابيس لا يحركها الورع ، و إنما ينفذ بها الشيطان مصيدة للإيقاع بك حيث يوصلك إلى تدمير كامل لكل الحصاد التي بذلت له جهوداً ما يصح أن تلغى ، و إلا فالشهادة التي حصلت عليها بنيت على سهر و دراسة و جهود ، فلم تلغى من أجل سطر أو سطرين ؟.
ثم الأهم مما سبق أن الاختبارات التي تجريها ليست مطابقة تماماً للجهود المبذولة ، و لكنها أقرب ما يكون إلى المطابقة ، و لهذا بدلت كثير من الدول صيغ اختبارات و طرائقها ، و هناك دول لا تمانع اصطحاب الطالب في بعض المواد مراجع معه إلى قاعة الامتحان ، وهنا يكون لطريقة أسئلة و مدى هضم الطالب للمادة ، لأن المهم قياس مدى استيعاب الطالب ، لا إيقاعه في فخ السؤال اللغز ، ثم هناك وزارات تربية تضيف درجات للطالب ، لترقى بنسبة النجاح ، و تبني هذه الزيادة على بناء الأسئلة ، أو مدى ملائمتها للمستوى العام للطلاب ، و يقدر هاهنا أن بعض الطلاب لم تحالفهم الذاكرة وقت الاختبار ، أو ربما شغلوا قبل الدخول للاختبار بما أعاق أمر الذاكرة ، فلم نضيع الطالب من حيث بذل من جهود طوال العام من أجل ساعة يدخل فيها إلى قاعة الاختبار بتوتر نفسي لا ينجو منه طالب ، و بحالات عارضة تلم بالبيوت ليلة الامتحان فتمنع الطالب من الاستعادة الصحيحة الكاملة لما سيقدم في الاختبار ، أو ربما ألم به صداع أذهب عنه بعض المعلومات أو منعه من التركيز .
ألم تر أن من يضيع جدول الامتحان يراعي قضية المواد و يرتبها حسب الصعوبة و ضخامة المعطى ، و ربما أعطوا الطالب يوماً قبل المادة الفلانية ابتغاء إقداره على المراجعة .
من كل هذا نتبين أن الامتحانات ليست المقياس الموضوعي الصارم لما حصل الطالب ، ألا ترى أنه ربما ندت من ذاكرة الطالب الفكرة الصحيحة ، و ما يذكرها إلا حين يغادر قاعة الامتحان ، فترجع إلى ساحة الشعور و بؤرته بعد ما بخرتها حرارة الموقف ، و لا يمكنه عند ذلك أن يعود ليسجلها على ورقة الإجابة ، أيصح مع هذا أن نهدر سنة كاملة على مقاعد الدرس و متابعة المدرس و المذاكرة و هضم المعلومة من أجل أن الذاكرة قد خانته وقتها .
إنه _ أخي الكريم _ إن كان لا يكفيك بدلاً من نسف جهودك و دخولك في أزمة حادة صورت لك أنه لا مخرج مما أنت فيه إلا أن تلغي الشهادة و الجهود التي أثمرتها ، و تطلق الحياة و تغلق عليك بابك ، أقول بدلاً من هذا كله أو بعضه كان يكفيك ما قام في نفسك من ندم شربت منه كؤوساً ملأى ، و ما جلدت به نفسك من تأنيب حاد أظلم عليك حياتك و عمى على كل الإمكانات التي أعطاك الله تعالى إياها ، كان يكفيك أنك ندمت و استغفرت و أنت خبير أن المشرك إذا عاد إلى الله بالتوحيد قبله الله تعالى ، و أنت تعلم أي ذنب تصح التوبة منه ، و أن ما ألممت به لا يعدو غفلة ألمت ، أغرت بها ظروف عارضة ، ثم انتهى الأمر على هذا ، أما أن تجعل الشهادة قائمة بهاتين المادتين ، و الغش فيهما غش في كل الشهادة ، فلا ثم لا . ثم أنت بصير بأن المواد التي تدرسها في مراحل الدراسة لا طعم لها و لا دور لها في بناء شخصيتنا العملية ، و كم مون مادة لم يبق منها في الذاكرة إلا الاسم دون أي مضمون ، و مع ذلك نقوم بدورنا في الحياة حسب التخصص و بأحسن ما يكو ، و تكون جهودنا عطاءً مقبولاً إن شاء الله تعالى ، و لتكن طبيباً مثلاً ! ألا ترى أن الخبرة العملية تأتي تتويجاً للشهادة ، و أنه لا يقبل منه أن يمارس الطب بناء على ما حصل من شهادة و نجح فيه من مواد ، ألا ترى أن الممارسة تعني أنه هضم ما يمارسه تجاه مرضاه ………
وفقنا الله للنظر السديد و الموقف الصائب.
