كيفية تحقيق الحياة الزوجية وفق منهج الصالحات (حسن التبعل )
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى ،،
الأخت الفاضلة ! طلبك هذا يدل على أنك من الصالحات اللواتي يبتغين بناء بيت إسلامي يعيش وفق منهج الله تعالى ، وطلبك هذا يفضي إلى ماتريدين من بناء أسرة ربانية إن شاء الله إذا ما التزمنا بما جاءت به الشريعة التي أنزلت- أساسا- لإسعادنا في الحياة الدنيا ، وفي رحاب الله في الآخرة ، إذ قليل من المسلمات لايفكرن بما تفكرين به من خير ، وقد أغرين بكثير مما دخل على الحياة الإسلامية من شغب أتعب الحياة ، وملأها قلقا ً وضجرا ً ، وتهديما للبيوت ، ففقدت الأسرة بذلك أهم صفاتها " السكن " ولم تعد صالحة لتربي الجيل المأمول وهذه – ياأختنا – مجموعة من التوجيهات ،ودون استقصاء ، ولعلي أركز على كبرياتها ، وإن كان ما طلبت يحتاج إلى "مشروع كتاب" إذا ما أردنا أن نغطيه ،وما ذكرته على قلته يغني الرجل والمرأة على حد سواء ، وأرجو أن تكون هذه المذكورات- هنا- كافيه في البداية ، على أن يظل السؤال مطروحا ً عبر الحياة نفسها ، ومايجد على ساحها من عوارض ، تتطلب حين وقوعها تبصيرا وحلا ً مباشرا ً . . .
بداية أختنا أسوق مجموعة من الأحاديث لعلها تعطي صورة جيدة عما ستكون عليه العلاقة بين الزوجين مما يصوغ حياة إسلامية راقية ، حيث تبصر الزوجة بما ينبغي أن ترعاه ، وهي تتعامل مع شريك حياتها وفق بصائر النبوة ، والجملة الشاملة لكل سلوك ناجح هي أن " المرأة الصالحة الواعية هي التي تسعد البيت ، ولا تشقيه ، وهي التي تعمل بدافع من الالتزام بأحكام الشريعة ، وتنأى عما تمليه عليها الأهواء والنزوات النفسية العارضة … وهنا مجموعة من الأحاديث نسوقها بداية لتسديد الخطو على الصراط المستقيم الذي عبده له رسولنا – عليه الصلاة والسلام – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها … لعنتها الملائكة حتى تصبح "([1]) يقول أحد الأزواج وقد سئل عن رضاه عن زوجته التي أبت عليه ماطلبه منها ، والرسول – صلى الله عليه وسلم – قد حذر من هذه الغضبة ، فقال الزوج : أي والله لقد بت غضبان عليها . وأنا الآن أشد غضبا ً . لو أنها أجابتني ولم تتأب عليّ ، لو . .. . لو . . من " لو " هذه ، عندما سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : أي النساء أفضل ؟ قال- عليه السلام- : " التي تطيع زوجها إذا أمر ، وتسره إذا نظر " .
– وروى ابن جرير والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ، وقرأ قوله تعالى : ( فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " .
ومن الغيب هنا كل ما يكون بين الزوجين ، ومايستحيا من إظهاره ، أي : حافظات لكل ماهو خاص بأمر الزوجية الخاصة بالزوجين ، فلا يُطلِع أحد منهما على شيء مما هو خاص بالزوج .
ويدخل في قوله " حافظات للغيب " هذا وجوب كتمان كل مايكون بينهن وبين أزواجهن في الخلوة ، ولاسيما حديث الرفث ، فما بالك بحفظ العرض . هذا ، وقد اتفق الزوجان أبو الأسود الدؤلي وزوجته يوما على مايكونا عليه حال الخصام ، وهو اتفاق مثمر إذا مانفذ ، فقال أبو الأسود الدؤلي لامرأته : " إذا رأيتني غضبت فرضني ، وإن رأيتك غضبت رضيتك ، وإلا لم نصطحب ! " .
كذلك يستحق الزوج على زوجه : طاعته بالمعروف ، واحترام رغبته " لو كنت آمرا أحدا ً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها " والسجود لايجوز في ملة محمد – صلى الله عليه وسلم – إلا لله تعالى ، وبهذا التوجيه الشديد يبين مكانة الزوج ومنزلته ، حتى جعله – صلى الله عليه وسلم – جنة المرأة ونارها ، وبين أن " حسن التبعل " يعدل الجهاد في سبيل الله ، والتبعل يعني حسن تعامل الزوجة مع زوجها ، ويبين بعض ذلك وجانبا منه ، قوله صلى الله عليه وسلم : " أن تستجيب لزوجها كلما دعاها لفراشه : إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة ، ومن حسن تبعلها أن لا تقع عينا الزوج على مايكره منها ،مع القيام بأعمال المنزل ، ورعاية الأبناء ، ومتابعته في السكنى .. هذا بالإضافة إلى الحقوق المتبادلة التي تقيم السعادة الزوجية ، وتشمل الرجل والمرأة ، وهنا نقتصر على ما يتعلق بالمأة ، لأنه جواب السؤال المرسل .
أن أهم علاقة إنسانية في حياة المرأة والرجل على السواء هي العلاقة الجنسية الحميمة بين الزوجين ، وأن نوعية هذه العلاقة بين أي زوجين هي انعكاس لنوعية العلاقة الكلية بينهما و : تحتل العلاقة الجنسية بين الزوجين المكانة الأولى من حيث تأثيرها وأهميتها في مضمار العلاقة الزوجية بعامة .
حتى في حالات فشل أحد الزوجين في نشاطاته الأخر كالعمل ، أو حتى لو انقطعت وسائل الحوار بين الزوجين ، تظل هذه العلاقة الخاصة بينهما مصدرا ً جيدا ً للإشباع والحميمية والشعور بالمحبة والقيمة الذاتية . وتؤكد هذا الكلام باحثة تدير عيادة للمشكلات الجنسية فتقول : إن المشكلات الجنسية والعاطفية تسهم ، وإلى حد بعيد ، في إصابة الرجل بقرحة المعدة ، وآلام الصدر ، وارتفاع ضغط الدم . كما تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب ، وضعف مقاومة الأمراض المعدية ، والاضطرابات المعوية لدى الرجال والنساء ..
ويكشف عن هذه الحقائق ما دعا إليه من أسعدنا الله به حيث قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " إذا دعا الرجل زوجته لحاجة فلتأته وإن كانت على التنور" وقال – صلى الله عليه وسلم – : لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " وشاهد: أي حاضر ليس مسافرا . ً
هذا ، وإن أعظم وأبرز وجوه طاعة المرأة المسلمة لزوجها وبرها به : أن تستجيب لرغباته الخاصة المشروعة التي فيها حق الاستمتاع بالحياة الزوجية على أكمل وجه ، وأتم صورة في المعاشرة ، فإن هذا هو المقصد الأصلي في الزواج ، ثم النظر إلى رغباته في المطعم ، والملبس ، والزيارة ، والحديث ، وسائر مانظهر به أمامه من التصرفات ، فكلما استجابت له في مثل هذه الأمور ازدادت حياتهما سعادة وصفاء ، وكانت عيشتهما هنيئة ، علما أن مشاركتها في كل هذا ليست قاصرة على أن تعطي فحسب ، بل هي آخذة كذلك ، فالطعام والشراب وجمال البيت ، وأناقته ، وأدب الحديث ، كل هذا مما تعتبر الزوجة شريكة أصيلة فيه !! ..
كذلك هي مطالبة بأن لاتزيد في الإنفاق عن حد المعروف ، إذا كان الزوج شحيحاً ، لقوله صلى الله عليه وسلم لإحدى الزوجات اللاتي يردن التطبيق العملي للشريعة في كل الشؤون : " خذي مايكفيك وولدك بالمعروف " .
والخصال المطلوية من المرأة لتحيا مع زوجها حياة كريمة ، تتلخص في القناعة ، والسمع والطاعة ، والعناية بالنظافة في المظهر والمخبر ، والتفقد لوقت الطعام ، والهدوء عند المنام ، وحفظ المال ، وحسن تدبير الخدم والعيال ، ثم حفظ السر ، وطاعة الأمربالمعروف .
هذه الخصال إذا جمعتها المرأة بعناية حازت رضى الله عزوجل ، وهذا هو المقصد الأسمى من الحياة كلها ، ثم رضى زوجها ، ولعل مما يقربها إلى قلب زوجها : إكرام والديه ، وأقاربه ، واحترامهم :
المرأة التي تحب زوجها تحرص على أن تكون أنيقة أمامه على الدوام ، وتنظر إليه دائما ً بحبور ، ومن العناية بجمالها أن تعتني بشعرها ، وتحاول أن تنسقه باستمرار ، وكذلك هندامها ،وهذا خارج إطار عملها البيتي الهام ، وإذا كان هناك مرآة فلتلتفت إليها لتتأكد من أن منظرها على مايرام ، وأنها تروق لعيني زوجها ، وهذه العناية بهذه الغاية مما تتقرب به الزوجة الصالحة إلى الله تعالى !
ولاتنسي- هنا- أن ديننا حث على ذلك ، وجعله من حين التبعل ، فمن صفات الزوجة الصالحة التي عدها الرسول صلى الله عليه وسلم من خير متاع الدنيا أنها : " إذا نظر إليها سرته " .
ولكي تكوني جميلة الجميلات،وهنا ننوه أن الجمال لا يقف عند حدود اهتمام المرأة بنفسها ومظهرها فقط ، بل يمتد إلى كل شيء في البيت حولها ، بأن تضيفي لمسة الجمال والذوق على كل الأشياء في منزها ، فهو منزلها ، إذ تبقى هي فيه مدة أطول مما يبقاها الزوج ! ، وعليهاأن تضيف لمسات الجمال على كل تصرفاتها وعلاقاتها الاجتماعية . ومنها أن تستقبل أهل زوجل بالترجيب والاحترام والتقدير ،وكم من تعاسة حلت في المنازل بسبب التقصير في هذا الجانب ! وأن تقدم لهم الهدايا إن أمكن ، وأن تحث الزوج على زيارتهم ، حتى وإن كان لا يهتم بذلك ، فاحترام والديه ، وعدم التفريق في المعاملة بين والديه ووالدي الزوجة ، فهما قد أهديا إليها أغلى هدية وهي زوجها الغالي . فالمرأة إذا أحبت زوجها أحبت أهله وأكرمتهم ، وحرصت على استضافتهم ، وتقوية علاقتها بهم ، والعمل على إسعادهم ولهذا كله كبير الأثر في سيرورة الحياة على أرفع وقع . ..
وكثيرا ماتحدث مصامدة ما بسبب عدم القدرة على التعامل مع أهل الزوج ، فقد يكون أحدهم لا يحسن اختيار ألفاظه ، أو يسيء التصرف ، والزوجة العاقلة هي التي تستطيع كظم غيظها ، وتلتمس الأعذار لمن تتعامل معهم ، ولا تعتبر زوجها مسؤولا ً عن تصرفات أهله .. والمطلوب من الزوجة البصيرة أن تتحلي بالصبر والهدوء والاحترام تجاه أم زوجها التي هي بمنزلة والدتها لو عقلت ، فعليها أن تحاول الإكثار من امتداحها وامتداح زوجل أمامها ، ولا تبخل عليها بالإطراء المزدوج ، كأن تقول على مسامعها إن روعة زوجها نابعة من لمسات والدته وتربيتها الحسنة ، فمثل هذه المواقف تمتص الكثير من الاحتقان في العلاقة ، وتنعكس على صفاء الأجواء وسعادة المرأة في بيتها الهانيء ، في بيت الزوجية الذي هو من نعم الله علينا .
كوني سلسلة في الحوار والنقاش ، وابتعدي عن الجدال والإصرار والبذاءة في الألفاظ ، ومن أسوأ مظاهر النقار : أن تعير المرأة زوجها بغيره من الناس وتسأله : لما لاتكسب كما يكسب فلان ؟! … ولقد اشترى أخي لزوجته كذا وكذا ، فهو يتقن فن كسب المال .. لو أنني تزوجت من فلان لما كان هذا حالي !! وهذا لايجلب المقت والدمار للأسرة فحسب ، بل هو عين المقت والدمار !!
والزوجة الذكية تتنزه عن تلك الممارسات ، لأنها تعلم بحسها الموقف ، وأنها تقوض ثقة الرجل بنفسه ، وتحطم نفسيته ، وتقتل آماله ، وتزعزع أركان الحياة الزوجية – كوني قنوعة واشكري زوجك على مايجلبه لك من طعام وشراب وثياب ، وغير ذلك مما هو في قدرته ، واجتنبي جحده ، فإن هذا من موجبات دخول النار . قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : " أريت النار ، فإذا أكثر أهلها النساء ، يكفرن " قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : " يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ، ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا ً ، قالت : مارأيت منك خيرا ً قط " . لاتنسي أن تدعي له بالعوض والإخلاف . الزوجة الصالحة لاتسأل زوجها الطلاق من غير سبب يلجئها إليه – وإن استفزت – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " أيما امرأه سألت زوجها طلاقا من غير بأس ، فحرام عليها رائحة الجنة " رواه أصحاب السنن .
إذا كنت موظفة ، ولم تكن هناك حاجة إلى وظيفتك فاتركيها … ولا تصغي لمن زعموا أن المرأة داخل بيتها خالية فارغة ، هذه نظرة باطلة مناقضة للحقيقة ، فلك في بيتك وظيفة مقدسة ورسالة سامية ، ألا وهي حسن التبعل وصناعة الأبطال وإعداد أمهات المستقبل …
لايجوز لك أن تطيعي زوجك فيما لا يحل له ، بل يجب عليك مخالفته حينئذ ، وذلك مثل أن يطلبك زمان الحيض والنفاس ، أو في غير محل الحرث ، أو وأنت صائمة صيام فرضة كرمضان ، وذلك لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " لا طاعة لبشر في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف " رواه البخاري .
من حسن التبعل لبس الحسن من الثياب كما ذكرت من قريب ، والتحلي والتزين للزوج ، فإذا طلب الزوج من الزوجة ما نهت عنه الشريعة فلتنصحه بالمعروف ، لترده إلى جادة الصواب ، ولتصبر على ذلك التصحيح ما استطاعت ، ولتبين له أن هذا مصادم للسنة مخالف لها ، وعموماً ، فإن المرأة مأمورة بإحسان العشرة لزوجها ، فإذا قامت بها ،وراعت ما ينبغي أن تراعيه ، ازدادت الألفة والمحبة بين الزوجين ، واصبحت الورابط الأسرية أكثر تماسكا ً وانسجاما ً وتوافقا .
ونزف هنا نصيحة للزوجة الصالحة مضمونها : لايبادلي زوجك سلوكا ًسلبياً بسلوك سلبي ، وإنما قومي بما عليك مما ندبت إليه من سلوك رباني ، ولو قابل الزوج ذلك منك بسلوك سلبي ، ونسوق مثالا :فلنفترض أن الزوج لم يكرم أهل الزوجة ، أفتمسك الزوجة عن إكرام أهله؟؟؟ فهذا يزيد الطين بلة ، أم تقوم بما طلب منها قياما بالأخلاق الإسلامية السليمة ، وبالتالي تقلل من الخسائر التي تمس الأسرة حيث يمتنع الزوج عن مثل هذه الأخلاق تجاه زوجته . . .
وفقك الله يا أمة الله لكل ما فيه سعادتك في الدنيا والآخرة
[1] – الحديث متفق عليه .
