أرجو أن تتفضل بالإجابة عن الأسئلة التالية حول التحقيق تجريه صحيفة الخليج عن حالات الطلاق قبل إتمام الزواج: أي قبل الدخلة. 1. ما رأي الشرع في حالات الطلاق قبل إتمام الزواج، وما هي حقوق الزوجة عندها والزوج؟ 2. ما هي الحدود التي يفرضها الشرع على الخطيب أثناء فترة الخطوبة؟ 3. ينظر المجتمع عندها للفتاة على اعتبار أنها مطلقة وقد لا يفكر أحد عندها من الزواج منها. فهل ينظر لها الشرع أيضاً على أنها مطلقة ومن الناحية الشرعية كيف ينبغي أن يتعامل المجتمع معها؟ 4. نصائح للشاب كي يفكر جيداً قبل فسخ الخطوبة وللفتاة وأسرتها ولأسرة الشاب كي لا يثيروا الخلافات والمشاكل.
لن أرتب الجواب حسب ورود الأسئلة، فأترك ذلك لك على أني سأغطي ما أقدر عليه.
اتفق الفقهاء على أصل مشروعية الطلاق، سواء دخل الزوج بالمعقود عليها أم لم يدخل ومن الأدلة قوله تعالى: ((الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) وحين يكون المعروف لا يحتاج إلى تسريح بإحسان، وقال تعالى: ((لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن)) وهذا في طلاق المعقود عليها قبل الدخول وذلك إذا اقتضت أسباب عارضة ملجئة إلى ذلك ومن روائع القرآن وضع اللفظ في موضع لا يقوم غيره مقامه فيه، فحين تناولت الآيات الطلاق بعد الدخول جاءت إذا الشرطية وهي للوقوع أما حين عرضت الطلاق قبل المس جاءت إن وهي للتشكيك وندرة الوقوع، ذلك أن القليل الذين يطلقون قبل الدخول حيث تقل الأسباب الداعية إلى ذلك
ونذكر هنا أن الله تعالى قال: ((وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)) النساء 19. أهناك نص يدعو إلى الإبقاء على الأسرة مع شيء من النكد أوضح، دعوة قوية إلى الإبقاء على الأسرة ما لم تتعذر الحياة، أو ما لم يكن الاستمرار أنكى من الفراق نفسه، وما يترتب عليه، حتى حين تقف عجلة الحياة بأسرة موقف المناكدة طرح الاسلام الحل الأمثل لإيقاف دوامة الخلاف الضاري الذي يلغي – إن تفاقم- الحكمة التي قامت الأسرة عليها: المودة والرحمة وبناء الجيل الرباني الصالح، وما أشبه هذا الحال بمريض حاول معه الطبيب قبل الجراحة كل ألوان المحاولات التي في مظنة الإبراء من مرضه مع صبر واحتمال ووعي في المداوة حصيف، دون حرق لمراحل المعالجة لأعمال المبضع استئصالاً للعضو المريض.
ونذكر هنا بما رواه أبو داود والبيهقي والحاكم عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) وما رواه مسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر. لا يفرك: أي لا يبغض، أهناك أروع من أن يضع الرجل وتضع المرأة قائمة الإيجابيات إلى السلبيات، ومن منا كله عيب أو كله كمال؟ ثم هناك مراحل عدة قبل الطلاق، ما أحكمها، تقي الكثير من الأسر أن تنسف لو اتبعت، ولولا الإطالة لفصلت فيها.
هل هذا اللون من الطلاق قبل الدخول يرجع إلى التسرع في إتخاذ القرار، قرار الزواج أو قرار الطلاق نهاية، وربما دفع إلى ذلك معان ليست بذات قيمة، ولكنها تعتبر عند بعضهم كأن يقول في نفسه: أو يقول له من يشاركه في إتخاذ قرار الطلاق من أسرته: من البداية إذ قد يأتي أولاد وتظهر مشاكل تستعصى على الحل.
ولا يلتفت غالباً إلى الآثار النفسية جراء الصدمة التي تترك في نفس المطلقة، أو أهلها، أو المطلق نفسه، حيث يعتبر طلاقه شهادة على تعاسة حظه إذ أخفق مع الخطوة الأولى!
إن المرأة لا تحب الطلاق ولا تريده غالباً: والله تعالى لا يحب الطلاق بل يبغضه، والنبي والملائكة يبغضون الطلاق، وقد جاء في الحديث القدسي: إني أبغض فلاناً فابغضوه. في مسند الإمام أحمد 2/509، وإبليس وحده مع أتباعه يحبون الطلاق، وينشطون أسبابه ويكافئ إبليس من يعينه عليه.
من الأحكام التي يحتاج إليها الزوج والزوجة:
من طلق زوجته –وهي حائض- أو في طهر جامعها فيه، يقع الطلاق ويأثم الزوج، والمذاهب الأربعة على وقوع الطلاق في الحيض مع الإثم. الطلاق: حل العصمة وإزالة عقد النكاح، وهذا الطلاق البائن، ولا يحق للزوج فيه أن يرجع زوجته إلا برضاها وعقد جديد. لا عدة على المطلقة قبل الدخول إجماعاً، قال تعالى: ((ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها)). الأحزاب 49، حيث براءة الرحم معلومة. ذهب المالكية دون الجمهور إلى جواز التفريق على المحبوس إذا طلبت زوجته ذلك وادعت الضرر، وذلك بعد سنة من حبسه، لأن الحبس غياب، والمالكية يقومون بالتفريق للغيبة مع الضرر أو عدمه.
يرجع الحكم على الطلاق بأنه حرام أو مكروه أو واجب أو منووب إلى مدى صلاحية الأسباب الدافعة إليه، وهذه الأسباب تنتفي أو تكاد إذا أتقنا خطوات الزواج بدءاً من الخطبة، وانتهاء بالدخول، حيث البحث الجاد، وعرض وجهات النظر، وتغليب الصفات التي من أجلها تنكح الفتاة، ويزوج الشاب وبمقدار ما نحكم المقدمات تأتي النتائج على أحكم ما يكون، ولا ندعي مع هذا ألا يقع ما لم يكن محسوباً، أو يتغير خلق أحد الزوجين مما ينغص على الحياة الزوجية استمرارها: فتمسي عسيرة الهضم.
الطلاق قبل الدخول بائن بينونة صغرى، فلا يملك الزوج إعادة زوجته المطلقة إلى عصمته وعقد نكاحه إلا بعقد جديد:
من طلق زوجته قبل الدخول، فقد اتفق الفقهاء أنه يجب عليه نصف المهر إن كان قد سماه لقوله تعالى: ((وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم)) البقرة 237، وهو نص صريح في هذا. وبعض التفصيل هنا يظهر في أنه إذا أرادت الزوجة رد زوجها بعيب به قبل البناء، فطلق عليه لامتناعه من التطليق، أو فسخ الزوج النكاح لعيب بها قبل البناء فإنه لا شيء لها على الزوج، وهناك تفصيل في هذه المسألة اكتفيت بما ذكرته منها. عدة المتوفى عنها زوجها، ولو قبل الدخول أربعة أشهر وعشراً، إقامة لحرمة الزوجية ومكانتها في نفس المتوفى عنها زوجها. يسقط جميع المهر إذا كان الفراق من الزوجة، أو سبب منها. الخطبة: طلب الخاطب الزواج من المخطوبة، أما النكاح فعقد يفيد ملك المتعة قصداً بين الرجل وامرأة من غير مانع شرعي، والخطبة مباحة عند الجمهور.
والخطبة وسيلة للنكاح، وليست شرطاً لصحته، إذ لو تم النكاح دون مرحلة الخطبة لصح بشروطه، وذهب الشافعية إلى استحباب الخطبة.
وقراءة الفاتحة عند الخطبة لا تعتبر عقداً، ولذلك يراعى: أن من أراد امرأة فله أن ينظر إليها، وذهب الجمهور إلى أنه يندب النظر للأمر به في الحديث الصحيح، وعند الحنابلة يباح، وحكم نظرها إليه كحكم نظره إليها، لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها.
نظرة المجتمع إلى المطلقة دافعها أنه يرى المطلقة هي السبب فيما وصلت إليه الأسرة!
والكثيرون لا يرون أنها مظلومة في كثير من الأحيان، بل يرون أنها حيث أخفقت مع زوجها الأول فستبقى كذلك والأخطاء التي تصاحب هذه النظرة كثيرة، منها أن حالات كثيرة للطلاق سببها سوء معاشرة الزوج، وشحه في الانفاق، وفرعونيته تملأ نفسه في البيت تدفعه إلى أن يقول بلسان حاله ((أنا ربكم الأعلى)) والتفاته عن أسرته إلى مطامعه وشهواته، أهله أحياناً، علاقته السيئة الخشنة بزوجته ودماثة أخلاقه مع أصحابه، وبخسه حقوق زوجته وتحطيم كرامتها بشتى الوسائل فما ذنب المطلقة مع هذا؟ ثم أليست المطلقة مرت بتجربة، وصار لها خبرة واعية بأساليب التعامل وإتقاء مواطئ الشقاق، فهي أولى ألا تقع ثانية من تلك الغرة التي لا يبعد أن تمر بنفس التجربة، وتقع في نتائجها ولا نبرئ ما يضخ عبر وسائل الاعلام ممن لا يخافون الله تعالى ويسعون إلى إضرام النار في كل بيت، وما زلت أذكر بل ويرن في ذاتي صوت امرأة مثقفة! بح صوتها وهي تطالب النساء بأخذ حقوقهن عنوة، لأن الحق يؤخذ ولا يمنح، وكأن كلامها كزعيم يحرض الثوار على طرد الاستعمار.
ومن الفقهاء من شرط جواز النظر إلى المخطوبة إرادة النكاح، وأن يرجو الإجابة من أهلها، أو يغلب على ظنه، وما يرى هو الوجه (لأنه دال على الجمال) والكفان (لأنهما يكشفان على خصوبة البدن) وللخاطب تكرير النظر حتى يتبين له هيئتها، فلا يندم على نكاحها، والتكرار بقدر الحاجة، فإذا اكتفى بنظرة حرّم عليه تكرارها. لا يجوز أن يمس وجهها ولا كفيها، وإن أمن الشهوة.
للخاطب أن يرسل امرأة لتنظر للمخطوبة، ثم تصفها له، ولو بما زاد على الوجه والكفين، ويسكت إن لم تعجبه، ولا يقول: لا أريدها، دفعاً للإيذاء، فهي كما قلنا وعد وليست عقداً. تكون خطبتها إلى وليها، ويجوز أن يخطب الرشيدة إلى نفسها، لكن لا على طريقة المسلسلات، بل قرر الفقهاء أن يستحب للولي عرض موليته على ذوي الصلاح والفضل بحثاً عن زوج صالح لها. يندب –كما ذهب المالكية- إلى إخفاء الخطبة كما يندب إلى إعلان النكاح.
لا تجيز الخطبة: اللمس والمصافحة والخلوة بالمخطوبة أو السفر بها: ولا الخروج معها خليلين، لو ظلت نظرة المجتمع إلى المطلقة على أنها مطلقة، دون أن يترتب على ذلك موقف الرفض، والإعراض لما عيب عليها، إذ تكون وقتها نظرة توصيف أما إذا تخطتها إلى اتخاذ موقف أن تسقط هذه المطلقة من الحسبان وأن يعرض عن الزواج بها، فهذا موقف يرفضه شرع الله تعالى بكل قوة، كما يرفض الاعراض عن أي مطلقة ولو بعد الدخول، والقرآن تضمن آيات في المطلقات تنفي الحرج من الزواج بهن، أليست البائنة بينونة كبرى لا تحل لزوجها إلا أن تنكح زوجاً غيره شريطة أن يتزوجها يريد الزواج لا التحليل، ثم إذا طلقها الآخر يحل لها ولزوجها الأول أن يتراجعا ثم المعتدة من وفاة زوجها لا جناح على من عرض لها بالخطبة.
ومن يطلع على المجتمع الذي ظللته الشريعة فالتزم بها في جميع شؤونه وخاصة في العلاقات الاجتماعية، المجتمع الذي لم تعقده التواءات النفس، ولم يشغب عليه مشاغب له سطوة وتأثير، ولم يصل عليه صائل متحلل من أحكام الشريعة ساع إلى تعطيلها في المجتمع، وأقول من يطلع يجد أن الزواج من المطلقة كان سلوكاً لا غبار عليه على الاطلاق، وحيث ترجع النفوس إلى فهم الواقع ببصيرة دون نوازغ نفسية، وتحسن التعامل معه وفق تسديدات الشريعة الغراء تعود هذه الحالات متيسرة ومقبولة، ولا نقد فيها ولا تحرج.
الطلاق حل لعقدة الزوجية فلا يؤتى به بأتفه الأسباب، أو لا يوضع في غير موضعه الذي شرع له، على أنه الحل الوحيد الذي تتعسر مسيرة الحياة الزوجية تعسراً رهيباً دونه، والزوج الحصيف –إذ العصمة بيده- يستعمله علاجاً لا مفر منه، إذ كيعته الحيلة، حيث يقع الخلاف ويتجذر، وتخفق المواقف العاقلة أمامه، وتمسي الحياة شقاءً ونكداً، ويسلك المسالك الشرعية بتقوى. وينظر بعد نفاذها إلى مدى الخسارة المترتبة على فرط عقد الأسرة، وما الربح المتأتي من إبقائها على ما هو عليه، ومع ثوران النفس، وتوهج الغضب، واستغلاق الفكر، وغياب الحكم الصحيح، يقع الطلاق صاعقة تقض مضجع الزوجية بأشواك مؤذية، ويضيع الأولاد وربما انخدع رجال بأن المرأة البديلة أحسن وأعدل وأنسب، مع أن الجميع سواء في عدم العصمة.
ثم أليست المطلقة التي يقف منها بعضهم موقف الرافض لها يمكن أن تكون ابنة ذلك الوالد أو الوالدة التي تعيب على ابنها أن يتزوجها، كما يمكن أن تكون أخت ذلك الشاب أو الوالد، أو أخت تلك المرأة التي تقف من الزواج بها موقف المعارضة؟!
إن نظرة المجتمع إلى المطلقة نظرة دونية ليست مستقاة من شريعة الله تعالى بل من مصادر أخرى، وتلوث نفسي، فيكثر فيمن لم يسلم نفسه لحقائق الإسلام وأحكامه العادلة أن تهذبه.
وآن لنا أن نهمس همسة في أذن المجتمع شباباً وفتيات، آباء وأمهات، همسة ناصح يدعو إلى التأني في البحث عن الزوجة الصالحة، وإعمال توجيهات الشريعة لأنها الأبصر، وسلوك المسالك الشرعية في الخطبة وآدابها، والعمل بعد عقد العقد وإحكامه على ما يشد أسر الأسرة، ويقوي روابطها، وعلى أهل الطرفين أن يسعوا دائماً إلى ما يؤلف بين القلوب، وأن يتجاوزوا الأخطاء والهفوات، ولا ينظروا إلى الذبابة على أنها دبابة، وإذا رأوها دبابة تحولت العلاقات إلى حرب ضروس لا تضع أوزارها إلا بطلاق مهشم، أفيستريح الذين لم يتقوا الله من الجانبين؟، وليتأكد الجميع أنه ما من مشكلة إلا ويمكن حلها إذا صفت النوايا، وصدق الأطراف في طلب الحل، وأن الرفعة في العفو والصفح لا في الإغارة والانتقام، وأن الكريم هو الذي يتجاوز ولا يدقق في صغير المواقف كما يدقق في كبيرها.
لا نغفل –هنا- أن ما يقع اليوم أكثره نتاج جهل، أو عدم تطبيق لأحكام الشريعة، وبعد عن الالتزام بآدابها في المعاشرة والتخلق بالحكمة وسعة الصدر، والتجاوز عن الأخطاء والانطلاق من قاعدة المودة والرحمة، وتطبيق الأساليب الشرعية المسددة للعلاقة الزوجية، والأخذ بما يطرح اليوم من مفاهيم العلاقة بين الزوجين، مما يثير الخصومة وينشيء الصدام عبر منافيخ يتقن النفخ بها من حمل على عاتقه عبء تهديم القيم الاسلامية، ومن حالات الطلاق ما يكون راجعاً إلى طلاق أهوج من زوج جاهل، لا يعلم من الاسلام إلا مفهوم القوامة، لكن بالمعنى الأعوج، وإلا الطلاق، لكن على أنه سلاح يرهب به عدو الله "زوجته"!!، أو يحلف به في كل نازلة حتى مع ضيوفه حاثاً إياهم على تناول الطعام، ومن الطلاق ما يرجع إلى الشح في النفوس، خاصة إذا كانت الزوجة تعمل والزوج شره إلى المال، هذا ما عن بالبال والله يصلح الأحوال.
