أنا أدرس في دولة أجنبية فيها تتم التحية بالانحناء لا بالمصافحة فما حكم الانحناء بغرض التحية لا التقدير أو التبجيل؟ من ناحية أخرى فقد أقبلت على تعلم بعض الفنون الرياضية و التي لا أنوي فيها إلا تقوى الله و ابتغاء وجه و من باب تعلم العلوم جميعها. المشكلة تكمن في أن في هذه الرياضات يتم الانحناء إلى مرحلة تشبه السجود( الرأس فوق الأرض حوالي عشرين سنتيمتر فقط). و هو انحناء متبادل بين الطرفين. و عندما سألت المشرف على هذه الرياضة عن أمر هذه الانحناءة أجابني بأنه يتفهم موقفي ( النابع من هواجس دينية) و لكن هذه التحية ما هي إلا مظهر( في هذه الأيام) و لا تمت للعبادة أو الدين المتبعان في تلك الدولة بأي صلة. و لكن في قرارة نفسي أشعر بشي من الشك. مع العلم بأني من سنتين أردت الالتحاق برياضات مشابه و قد منعني الانحناء من الالتحاق. و في أخر الأمر و بعد تأكيد بأن الموضوع ليس له علاقة بالعبادة بدأت بالرياضة منذ ليس ببعيد. و لكن يبقى الميزان الأخير هو الشريعة. فهل ما أقوم به جائز. و هل له مبرراته على العلم بأني أشعر بأن هذا العلم سوف يكون مفيداً في يوم ما عندما أعود إلى بلدي و أيضاً لا بديل عن الانحناء لتعلم هذه الرياضة.
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الكريم /….. حفظك الله ورعاك
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
أسأل الله لي ولك السداد والرشاد، أسوق لك بعض النصوص الهادية إلى الحكم، وأردفها بما قال العلماء في هذا الشأن:
في مصنف ابن أبي شيبة (8/461) أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- بعث عمرو بن أمية إلى النّجاشي، فلما أتاه وجد لهم بابا صغيرا يدخلون منه مكفرين "أي: منحنين" فولى ظهره القهقري…. وشق ذلك على الحبشة في مجلسهم عند النجاشي حتى همّوا به، وقالوا للنّجاشي : إن هذا لم يدخل كما دخلنا، قال : ما منعك أن تدخل كما دخلوا ؟ قال عمرو : إنا لا نصنع هذا بنبينا، ولو صنعناه بأحد صنعناه به، قال النجاشي : صدق…" فأنت ترى من هذا الموقف حرص عمرو على ملامح شخصيته الإسلامية، وان هذا الانحناء عند الدخول ما فعلوه بين يدي الرسول، وهو أحق بذلك لو كان جائزا. وفي شعب الإيمان للبيهقي (8/472 برقم 8680 – 8962) عن أنس –رضي الله عنه- قال : قيل : يا رسول الله ! ينحني أحدنا لأخيه إذا لقيه ؟ قال" : لا، قال : فيلتزمه ؟ قال : لا "ورواه الترمذي وحسنه، قال رجل يا رسول الله ! الرجل منا يلقى أخاه وصديقه، أينحني له ؟ قال :" لا، قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا، قال : فيأخذ بيده فيصافحه ؟ قال : نعم…"، وقال العلماء : لعل الترمذي حسنه لوجود ما يشهد له في الأحاديث الأخرى.. ووجدت في فتاوى الأزهر (10/168) هل يجوز انحناء الممثل على المسرح أمام الجمهور عندما يحيونه ؟ فأتى المفتي بحديث الترمذي، وفيه النهي عن الانحناء.. وقد وجه قول من قال إنها جائزة إلى أنها ليست حراما، فلا ينافي أنها مكروهة. وقد نص على ذلك في فتاوى الرملي (5/172). ومن الحديث وما قاله العلماء أن التحية بالانحناء غير مرغوب فيها، وأقل ما يقال فيها أنها مكروهة لعدم لياقة ذلك بالمسلم الكريم العزيز بإيمانه. وفي فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت برقم (2244) 7/23" هل يجوز شرعا أن ينحني لاعب الكراتيه تحية الركوع للمدرب ؟ الجواب : إذا كان للتعظيم فهو محرم، وأما إن كان مجرد تقليد دون قصد التعظيم للمنحنى له فإنه مكروه، وعليه فإنه يكره انحناء لاعب الكاراتيه للمدرب ". وجاء : هل يجوز الانحناء عند تحية شخص محترم أو كبير أو أحد الوالدين ؟ الجواب : لا يجوز إلا أن يكون المسلّم عليه كبيراً لا يستطيع القيام، أو أحد الوالدين وتكره أن تقيمه وتكلفه أن يقوم ليصافحك، فإذا انحنيت وقبلت رأسه على وجه الاحترام، لا يكون ذلك انحناء يتعبد به.. ومن هنا قد تكون الرياضة لا غبار عليها لكن يداخلها ما يجعلها حراما، ودليل حرمة هذا الداخل – أي الانحناء – حديث الترمذي، وقد رواه ابن ماجه أيضا برقم 3702، وفي مجموع الفتاوى لابن تيميه (1/377) وقد سألوه عن الرجل يلقى أخاه أينحني له ؟ فقال : لا، ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله تعالى.وذكر ابن علان الشافعي حرمة الانحناء عند اللقاء بهيئة الركوع، فإذا وصل الانحناء إلى حد الركوع قاصدا به تعظيم ذلك المخلوق، فهذا يخشى عليه الكفر. ونص العلماء على أن انحناء الرأس للتحية لا يجوز سواء كان لمسلم أو لغيره، لأنه من فعل الأعاجم لعظمائهم، أما لو حرك رأسه تحريكة واحدة علامة على الرضا بما يعرض عليه، كإشارة إلى بدء اللعبة مثلا لما كان عليه لوم، وبالبداهة إذا كانت اللعبة بلا هذه الإشارة. وهنا همسة في أذن كل من تدرب هذا التدريب: أما صار لديكم قدرة على صياغة هذه اللعبة بما يتناسب مع أحكام الشريعة، أم أننا لا نقدر على التغيير لوهن في الشخصية، ولرسوخ آفة التبعية التي سكنت كثيرا من النفوس. أفما آن لمسلم بلغ مرتقى ما في هذه اللعبة أن يخلصها من هذه الأوشاب والذيول التي لا يستبعد أن تكون في أصلها طقوسا دينية أو خرافة من خرافات الشرق البعيد حيث مرابع هذه الرياضات ومنابتها؟!
أرجو أن أكون وفيت ما سألتم عنه، وجزاك الله خيراُ سيدي
