الثلاثاء 2 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 15 سبتمبر 2026م

تفسير قوله عز وجل (ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين)…

نرجوا أن تعطونا إضاءة حول معنى قوله عز وجل (ذلك أدنى أن يُعرفنّ فلا يؤذينّ ) ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.

بسم اللــــه الرحمن الرحيــم

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى…..وبعد

قوله – تعالى -: ( ذلك أدنى أن يُعرفنّ فلا يؤذينّ) جاء في سياق أمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه – وبناته ونساء المؤمنين – بإدناء الجلابيب عليهن …

إدناء الجلابيب :

الجلباب : الملاءة أو العباءة تكون فوق الدرع السابغ الطويل ، فهو ثوب يستر جميع البدن تلبسه المرأة فوق ثيابها ، وعماد أقوال العلماء في الجلباب مع اختلافها هو أنه الثوب الذي يستر به البدن .

يدنين : يرخين على وجوههم الجلباب حتى ما يبدو من المرأة إلا عين واحدة تنظر بها الطريق إذا خرجت لحاجة ، فالإدناء تغطية الرأس من فوق خمارها ..

كان النساء في المدينة لا يخرجن لقضاء الحاجة إلا ليلاً ، وقد أمرن بلبس الجلباب في كل خروج ليعرفن ، وهذا من باب سد الذريعة .

لبس الجلباب من شعائر الحرائر، فالإماء لا يلبسن الجلابيب ، فجعل الستر فرقا به يعرف الحرائر من الإماء .

الخروج دافعه أنه لم يكن لهن مراحيض في البيوت .

الإيذاء من الفساق كان بصورة التحرش الكلامي والغمز والكلمة السفيهة وهم يقصدون على عادتهم الإماء لا الحرائر .

كان عمر –رضي الله عنه- مدة خلافته يتابع أمر ألا تتشبه الأمة بالحرة ، ويخفق بالدرة من يراها أمة قد تقنعت ، وهذا من السياسة الشرعية ، ثم زال هذا بعده .

وقد كان فعل عمر كان من السياسة الشرعية ، وفيه زجر لأنه كان يخشى من التشبه بالحرائر في اللباس والزي أن يعتدن الرقة ويضعفن عن الخدمة والعمل وتكثر مؤنهن على سادتهن ، وأمر تبذل المرأة في لباسها حين الخدمة معروف واضح .

عن أم سلمة –رضي الله عنها- لما نزلت هذه الآية :"يدنين …" خرج نساء من الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها .

وقد ذكر المفسرون سبب نزول الآية من سورة "الأحزاب" أن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت ، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء ، ولا يتعرضون للحرائر ، وكان بعض النساء يخرجن بزي لا يتميز عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنا منهم أنهن إماء ، فأمر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء ، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، فإذا فعلن ذلك ، ورآهن الفساق علموا أنهن حرائر ومعرفتهم بأنهن حرائر ، لا إماء ، وهو معنى "ذلك أدنى أن يعرفن" فهي معرفة بالصفة "التي دل عليها إدناء الجلباب" لا بالشخص .

وأنت خبير أن في هذا المسلك تحجيم لشر الأشرار بهذا الأسلوب ، بناء على أن الحرة لها من ينصرها ، ويخشاه من سولت له نفسه شرا تجاهها …

وبدهي أن الحرائر أكثر بكثير من الإماء .

ولك أن تقف على ما يكون ممن يعتدي على موظف حكومي ، فإن الاعتداء أشد ، ولا يعني هذا إباحة الاعتداء على من سواه ممن ليس موظفا ، فلباس الموظف لما يشعر أنه منسوب للحكومة يرهب النفس التي تتطلع إلى إيقاع الأذى به ، ومن المعروف أن الاعتداء على الشرطي أشد من الاعتداء على غيره ، فهذا كما ترى من باب تقليم أظافر الشر، حيث تحجم عن الامتداد إلى ما يقتلعها ، ولد يسوغ لها أن تمتد إلى غيرها أي : إلى الإماء بنص آخرغير هذا النص …

ثم قضية معالجة الشريعة لأمراض اجتماعية من أدق القضايا التي سلكها التشريع فنجح أروع نجاح ، وما أمر تحريم الخمر بمراحله بالمجهول .

وبدهي أيضا أنه ليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز بل هو حرام أيضا ، ذلك أن المتعرضين لهن هم ممن في قلوبهم مرض ، وأنهم يدخلون في عموم من أنذرهم الله تعالى بقوله :"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم …" إلى "وقتلوا تقتيلا" .

أيفهم مما سبق أن الشريعة قد أهملت أمر الإماء ولم تعتن بما ينالهن من الإيذاء من قبل ضعاف الإيمان مع أن في ذلك من الفتنة ما فيه ، فهلا كان التصون والتستر عاما في جميع النساء ، إن الإشكال يطرأ من سياق الآية الأولى ، حيث يعمل فيه بمفهوم المخالفة ، وفيه أنه إن خصصنا الحرائر فكأنا أبحنا الإماء ، وحكمهن المخالفة هنا لا يسري إذ النهي عن الإماء والتعرض لهن ثبت بنصوص كثيرة اخرى ، وهذا راجع إلى توظيف الشريعة وهي بصدد بناء المجتمع النظيف ، الأعراف السائدة ، ولا يخفى ما جاء في الربا من النهي عن أكله أضعافا مضاعفة أنه لا يسري عليه أيضا مفهوم المخالفة ، فلا يقال يجوز الربا القليل!!!!!..

وعليه فدفع ضر الفساق عن الإماء لازم ، وله أسباب أخرى ليس منها إدناء الجلابيب ، فصار دفع الأذى عن كل من الحرائر والإماء بنصوص مختلفة.

وقضية الإدناء اقتصرت على الحرائر لأن الإماء بطبيعة عملهن يكثرن الخروج والتردد في الأسواق لقضاء حاجات البيوت ، وتكليفهن بلبس الجلباب السابغ كلما خرجن فيه حرج ومشقة ، بخلاف الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج إلا لمصلحة ، وقد نهى كتاب الله عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات جميعا ، سواء منهن الحرائر والإماء ، وتوعد المؤذين لهن بالعذاب المهين . وهذا من ترتيب أوضاع الشريعة البين .

قال العلماء :"كثرة التردد في الأسواق ومحال البياعات في خدمة سادتهن وقضاء مصالحهم ، فإذا كلفن أن يلبسن الجلباب السابغ كلما خرجن كان فيه حرج ومشقة ، ولقد راعى الشارع الحكيم هذه الحال ، فنهى الناس بعامة عن أن يؤذوا المؤمنين والمؤمنات جميعا ، سواء الحرائر والإماء . وتوعد من يؤذي بعذاب أليم" ولذا قال المفسرون : نزلت الآية بعد أن استقر أمر الشريعة على وجوب ستر العورة ، فيكون الستر –هنا- المكرر به زائدا على ما يجب من ستر العورة ، إذ الجلباب كما بينت هو ثوب سابغ فوق الثياب الساترة ، كالملاءة المعروفة في عصرنا …وأسوق ختاما ما جاء عن أبي حبان الأندلسي من أنه اختار وجها غير الذي سلكه جمهور المفسرين ، واعتبر الأمر بإدناء الجلباب موجها إلى النساء بعامة الحرائر والإماء ، واعتبر قوله تعالى :"أن يعرفن" أي بالعفة والتصون ، لا بكونها حرة أو أمة ، فلا يتعرض لهن على سواء ، ذلك أنه إذا بالغت المرأة في التستر والتعفف قطعت طمع اهل الفساد ، وقد علق أحد العلماء المعاصرين على ذلك بقوله :"وهو رأي تبدو عليه مخائل الجودة"…

أرجو أن أكون قد وضحت شيئا عن السؤال المطروح .

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#كشف رحيق الواقعة- كم نحن بحاجة لمثل هذا في عصرنا الذي كثر فيه الهدامون والعابثون بأحكام الشريعة حتى سمعت أن هناك من يدعو لإلغاء الميراث ، وإلى الحج عبر الزووم!!! Online هزلت والله* من لطائف العلامة المختار ابن بونا رحمه الله المتوفى سنة 1220 هجرية أن رجلا قال ذات يوم لزوجه وقد سألته شيئا: “لك ما أحببتِ”، فأخذت ثلاث تطليقات، ثم بكت.- فقام يطلب فتوى من علماء زمنه في هذا فكلهم أفتى بالتحريم، حتى أتى المختار بن بونا فقص عليه القَصَصَ، فقال له: لم تطلَّق واحدة أحرى ثلاثا، إنما أعطيتها ما أحبتوما رضيت، والثلاث لا تحبها ، ولا ترضَى بها، وهي محبة لك ، والدليل على ذلك بكاؤها.- ولما بلغ ذلك تلميذَه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي قال: إن ابن بونا يأخذ من مآخذ لا يُأخذ منها غيره لجودة فهمه. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#المروءة سلوك راق- من القيم التي نهضت بها الأمة وتسنمت بها قمة العطاء * قَالَ الأحنف بن قيس: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُوْنَ، قَالُوا فِيْهِ مَا لَا يَعْلَمُوْنَ.- ولما سُئِلَ: مَا المُرُوْءةُ؟ قَالَ كِتْمَانُ السِّرِّ ، وَالبُعْدُ مِنَ الشَّرِّ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#عبارة للتقويم ولكم حرية النقض** لعل هذه العبارات قرأتها في كتاب الرافعي ولست متأكداً ، فهل يرى القاريء فيها ما لا يصلح :* الغصن الذي يقطع شجرته- قصدت به الفرد ينفصل عن المجتمع بدسيسة ما ، ويعمل على تقويضه* لعن الله الشجرة التي تشتم ساقيها- أردت به الولد الذي يعق والديه ، ويشتم ، وينتقص ، ويقبح ، ويزدري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#حوار مع السحب* نظرت إلى السماء فإذا بسحب تغطي جانباً من زرقتها الخلابة ، فانبعث فيّ تساؤل لم أكتمه بل توجهت به على السحب : أأنت مما قال الله -جل جلاله- عنك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}(1)* أو أنت من المعصرات اللاتي يجئن بما تزدهي به الأرض بثوب العروس ثوبها الزهري ، وتبتهج ، فقال عنها رب العزة والجلال: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16)} (2)* أم أنك - لا سمح الله - التي نزل بها قوله -تعالى- وكان بك العذاب على من تمرد على مالك الملك {فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24)}(3)- عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} قَالَ: " الْمُعْصِرَاتُ: الرِّيَاحُ "- قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً } قال: المعصرات: السحاب يعصر بعضها بعضا فيخرج الماء من بين السحابتين.** سارعت لتطمئن وعللت بأن هذه الأمة محمية من مثل هذا ما دامت على المحجة التي تقلتها عن التابعين عن الصحابة عن الرسول عن الله سبحانه (1) سورة النور(2) سورة النبأ (3) سورة الأحقاف ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#الرفيق الذي لا يصلح للصحبة- ضرب الأمثال من أوجه جمال لغتنا الأثيرة- الأمثال في لغتنا أسلوب في التعبير عن حالة ، أو واقعة لها بصمة في نفس صائغ المثل- لكل مثل مضرب يكون فيه سبب الإنشاء مماثلاً أو مقارباً لسبب الإعادة ، وما قالوا من الأمثال :* " لَا يَصْلُحُ رَفِيْقَاً مَنْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَاً"- يضرب لمن يَكْظِمْ الغَيْظَ ونصب "رفيقاً" على الحال، وأراد بالريق ريقَ الغَضب. ...
View on Facebook (opens in a new tab)