الثلاثاء 2 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 15 سبتمبر 2026م

تفسيرالآية ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم…

تفسيرالآية ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ..2

مدخل يتناول أساسيات في التعامل مع الحقائق

– السؤال عن الكيفية لا يتطلب جوابا ، ولا يشكل إشكالا أساسا ، إلا إذا كان السؤال : لماذا ؟ أي: سؤال عن العلة من إنزال الملائكة !

– السؤال يقرر بقوة أن الإشكال نبت من : قدرة الملك ،وهذا ما نعتقده بالملك ، وهذا العدد من قتلى المشركين ، وبهذا يكون السائل قد تبنى مشاركة الملائكة في القتال ، ولم يقف أمام النص الذي حدد مهمة الملائكة :" إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا " وملاحظة " التثبيت " هنا تكشف أن دورهم لا يعدو لونا من ألوان ملأ القلب بالقوة والثبات ، وهي حالة يحتاج إليها المقاتل بلا خلاف ، بل إن المعارك إذا تكافأت القوة لاتحسم إلا بالثبات ، خاصة ما يسمى " لعبة عض الأصابع " ! !

– يرجع السؤال ليلح على مسألة واحد يكفي لاقتلاع قارة ! ويغفل السائل عن الجانب الإنساني فينا ، وهو الذي استدعى إنزال الملائكة ، اقرأ قوله تعالى على لسان النبي " ألن يكفيكم " ؟! والذي يلح على مٍسالة الكم والجمهرة الغفيرة ، ولولم تشارك جميعها فيما حشدت له ! ! فلو لحظ هذا لانكشف للسائل سر العدد

– الأصل- وهذا لب الموقف بعامة – في التعامل مع النص " الغيبي " مثل الإخبار عما هو غيب بالنسبة لنا، حيث ثبت نصا أن يدخل في دواخل الإيمان ، ومسألة استيعاب الأسرار غالبا ما ترجع لسعة الاطلاع ومعرفة سنن الله تعالى في الكون والإنسان ، ومبتنى النص على أن ينال به متلقيه درجة الإيمان " بالغيب "

– سيأتيك تفصيل قريبا عن هذه لمسألة بشيء من الإفاضة ، ولولا خشية التأخر عنكم في الإجابة أكثر مما كان لأجلت هذه الإجابة لأرسل الكل مرة واحدة ، ولك شكري الجزيل ، مع الاعتذار ، وبوركت

– هذه دراسة شاملة لمسالة نزول الملائكة ، وما قاله العلماء في ذلك ! والاطلاع عليه يكشف لنا مجموعة من المعاني الراسخة تدخل في صياغة التصور ، والمغيبات شأن استقبالها من موردها الرئيس : كتاب الله ، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام الثابتة، وما اختلف فيه العلماء الثقات يترك لمقدرة المتلقي قبولا أو توقفا أو ردا إن كان ممن يمكنه ذلك ، وهذا هو البحث الذي لم أتدخل به إلا بمس لطيف :

شهود الملائكة غزوة بدر

**شهود الملائكة غزوة بدر الكبرى :

– لم تختلف كلمة الأمة سلفاً عن خلف في أن الملائكة شهدت غزوة (بدر) مدداً من الله تعالى لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ، وهذا صريح القرآن الكريم في قوله جل شأنه : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين )([1]) أي متتابعين ، يردف بعضهم بعضاً ويأتي بعضهم في إثر بعض ، وفي قوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب )([2]) وقد عنون البخاري في صحيحه لذلك في كتاب المغازي ، فقال : باب في شهود الملائكة بدراً ، ثم ذكر تحت هذا العنوان الحديث المستفيض ، فقال : حدثني إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا جرير ، عن يحيى بن سعيد ، عن معاذ بن رفاعة ابن رافع الزرقي ، عن أبيه – وكان أبوه من أهل بدر – قال : جاء جبريل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فقال : ماتعدون أهل بدر فيكم ؟ قال : " من فضل المسلمين " أو كلمة نحوها : قال : كذلك من شهد بدراً من الملائكة .

ثم جاء ذكر البخاري حديثاً آخر في هذا الباب وهو صريح في أن جبريل عليه السلام شهد بدراً في أهبة الحرب قال البخاري : حدثني إبراهيم ابن موسى ، أخبرنا عبدالوهاب ، حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال يوم بدر : " هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب " وهذان الحديثان أصح مافي الباب .

وقد أورد ابن حجر في ( الفتح ) والسيوطي في ( الدر ) جملة أحاديث بأسانيد صالحة ، كلها صريحة في شهود الملائكة بدراً .

فالقرآن والسنة ، وإجماع الصحابة ، بل إجماع الأمة قبل ظهور شذوذ المخالف أدلة قاطعة على أن الله تعالى أكرم رسوله محمداً – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه الذين شهدوا واقعة غزوة بدر – وهم قلة في عددهم وضعف في عدتهم المادية بالنسبة لحشود أعدائهم من المشركين – بإنزال ملائكته مدداً لهم في أول وأعظم غزوة قتالية بعد ، إذ أراهم فضه عليهم بنقلهم من تأثرهم بتراث الرواسب الجاهلية المغللة بالأسباب المادية من كثرة العدد وتوافر العدة والعتاد إلى مجال القوة المعنوية التي تستمد عناصرها من قوة الإيمان ، وإدخالهم في رياض آياته تعالى وسننه الخاصة التي لاتخضع لتحكمات القوة المادية ومدركات العقول ومألوف الحياة في نظامها العام .

لهذا كان من أعجب وأغرب مارأيناه في هذا المقام مانقل عن الإمام الشعبي ، وحكاه ابن عطية في تفسيره ، ونقله عنه أبو حيان في (بحره ) من قوله : لم يمد المسلمون بالملائكة يوم بدر ، وكانت الملائكة بعد ذلك تحضر حروب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وهي تحضر حروب المسلمين إلى يوم القيامة .

ونحن نستبعد جداً صحة هذا النقل عن الإمام الشعبي ، وهو أحد أعلام التابعين المرجوع إليهم في السنة النبوية وروايات أحاديثها وأحدائها ووقائعها .

والقرآن الكريم صريح في إثبات شهود الملائكة وحضورهم غزوة بدر ، وأن الله تعالى أنزلهم استجابة لاستغاثة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واستغاثة أصحابه ، وطلبهم من الله تعالى مدداً من غيبه إنجازاً لوعده إياهم بنصره لهم على أعدائهم الذين أقبلوا إليهم في غرور فاجر ، وصلف مستكبر كفور ، يحادون الله ورسوله ، ويتحرقون غيظاً على المجتمع المسلم ، يريدون استئصاله ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون .

ولاندري ماذا يقول الناقلون لهذه القولة الشاذة عن الإمام الشعبي – إن صح نقلهم عنه – وهي قولة تعارض نص القرآن وصحيح السنة وإجماع الصحابة في فهم الشعبي وتأويله للنصوص المثبتة شهود الملائكة غزوة بدر ممداً من الله تعالى لرسوله – صلى الله عليه وسلم – ولأصحابه المجاهدين ؟ وهذه النصوص واردة مورد الامتنان والإخبار الذي أريد به تثبيت المؤمنين وتقوية عزائمهم وتبشيرهم بالنصر الذي وعدهم الله به ؟

كما هو صريح قول الله تعالى : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) وهذا إخبار قاطع لايحتمل التأويل ، لأنه مرتب على استغاثة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واستغاثة اصحابه .

– روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب قال : فلما كان يوم بدر نظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمئة وتسعة عشر رجلاً ، فاستقبل نبي الله – صلى الله عليه وسلم – القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ماوعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لاتعبد في الأرض " .

فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه ، وقال : يانبي الله كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ماوعدك ، فأنزل الله تعالى : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) فأمده الله تعالى بالملائكة .

قال أبو عبدالله القرطبي في تفسيره ( الجامع لأحكام القرآن ) : فنظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور والحمد لله .

– بل ذهب كثير من المفسرين وأهل السير أن المستغيث هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم وإنما جاء التعبير عن استغاثته – صلى الله عليه وسلم – بواو الجمع تعظيماً لقدره المنيف ، وإبانة عن بلوغه في استغاثته ربه مبلغاً فاق كل استغاثة تصدر من فرد ، وكأنما استغاثته – صلى الله عليه وسلم – معبرة عن خوالج جميع المؤمنين متعاونين عليها بقلوبهم وأرواحهم وألسنتهم .

– ثم ماذا يقول الناقلون لهذه القولة الشاذة عن الإمام الشعبي في فهمه وتأويله لأخت هذه الآية الكريمة في الامتنان على المؤمنين بإمدادهم بمدد من الملائكة ، وهي قوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) والآيتان من سورة الأنفال وهي سورة بدرية بإجماع ، فالآيتان بدريتان ، وهما صريحتان في إنزال الملائكة مدداً للمؤمنين في غزوة بدر ؟ .

ومما هو أدخل في العجب والغرابة ، وأدعى لاستبعاد نقل هذه القولة الشاذة عن الإمام الشعبي أن الناقلين عنه يضمون إليها أن الشعبي قال : وكانت الملائكة بعد ذلك تحضر حروب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مدداً ، وهي تحضر حروب المسلمين إلى يوم القيامة ، فمن أين للشعبي أو غيره نفي حضور الملائكة مدداً لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه في بدر مع صراحة النصوص المثبتة لهذا الحضور ؟ ومن أين للشعبي أو غيره إثبات حضور الملائكة حروب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد غزوة بدر ، ولانص يثبت ذلك من قرآن أو سنة ؟ ومن أين للشعبي أو غيره إثبات حضور الملائكة حروب المسلمين إلى يوم القيامة ؟ وهذا مما لامدخل فيه للرأي والاجتهاد ؟

وقد أورد القرطبي مانسب إلى الشعبي بما يفيد أن إمداد الله تعالى نبيه – صلى الله عليه وسلم – وأصحاب بالملائكة إنما كان يوم أحد لايوم بدر أخذاً من آيتي سورة آل عمران ، ولم يتعرض لآية الأنفال ، وهي مصب الإمداد في بدر .

قال القرطبي وهو يذكر غزوات النبي – صلى الله عليه وسلم – : ثم غزوة بدر الكبرى ، وهي أعظم المشاهد فضلاً لمن شهدها ، وفيما أمد الله بملائكته نبيه – صلى الله عليه وسلم – والمؤمنين في قول جماعة العلماء ، وعليه يدل ظاهر الآية لافي يوم أحد .

ومن قال : إن ذلك كان يوم أحد جعل قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر ) إلى قوله ( تشكرون) اعتراضاً بين الكلامين ، هذا قول عامر الشعبي ، وخالفه الناس .

والمتأمل في هذا السياق يفهم أن الإمام الشعبي إنما تكلم عن آيتي سورة آل عمران : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) إلى قوله : ( ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) .

وهذا فهم مستقيم لايمنع منه سياق الآيتين بعد قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر ) إلى قوله ( تشكرون ) الذي جاء تذكيراً بنعمة النصر في بدر مع قلة عدد المؤمنين وضعف عدتهم ، والسياق في آل عمران لغزوة أحد ، فمجيء آيتي الإمداد بالملائكة في البيّن في قصة أحد محتمل أن يكون منها ، والإمداد كان فيها ، ومحتمل لأن يكون من الامتنان بنعمة النصر في بدر ، وقع في البيّن من قصة احد ، تنبيها للمؤمنين أنهم لو صبروا وأطاعوا أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يهزموا كما لم يهزموا في بدر مع قلة العدد وضعف العدة ، لأن النصر بيد الله تعالى ينزله على من يشاء ، وكيف يشاء ، لأنه عزيز لايغالب ، حكيم يضع الأمور بتدبيره وحكمته في مواضعها من مواقع علمه المحيط بالأسباب والمسببات .

– وحينئذ يكون الإمام الشعبي غير متعرض في كلامه للإمداد بالملائكة يوم بدر ، فضلاً عن إنكاره كما حكاه عنه ابن عطيه ، وكل مايعطيه كلامه كما جاء في سياق القرطبي أنه يذهب إلى أن آيتي الإمداد في آل عمران أحديتان وليستا بدريتين ، وهذا لم ينفرد به الشعبي ، وهو محتمل كما بيناه .

ومن الغريب أن القرطبي ساق كلاماً عن الشعبي في الإمداد بالخمسة آلاف في قصة كرز بن جابر الفهري ، يتعارض مع سياق ابن أبي شيبة الذي صحح الرواية عن الشعبي ، وقد جاء فيه أن كرزاً لما بلغته هزيمة المشركين ببدر جبن فلم يمد المشركين ، ولم يمد الله المؤمنين بالخمسة آلاف .

قال القرطبي : قال الشعبي : بلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه أن كرز بن جابر المحاربي – وهو الفهري في رواية ابن أبي شيبة – يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلى المسلمين ، فأنزل الله ( ألن يكفيكم …) – إلى قوله ( مسومين ) فبلغ كرزاً الهزيمة ، فلم يمدها ورجع ، فأمدهم الله بالخمسة آلاف وكانوا قد أمدوا بألف .

ولعل الشبهة دخلت على من نقل هذه القولة الشاذة ، سواء أكان ابن عطية أم غيره من المتقدمين والمتأخرين من حديث ابن أبي شيبة عن الشعبي بسند صحيح إليه : قال : إن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر الفهري يمد المشركين فشق عليهم ، فأنزل الله : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة المنزلين * بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) قال الشعبي : فبلغت الهزيمة – أي هزيمة المشركين في بدر – كرزاً فلم يمد المشركين ، ولم تمد المسلمون بالخمسة .

فهذا الكلام المروي عن الشعبي بسند صحيح إليه – كما يقول الزرقاني في شرح المواهب – قد يكون هو الذي أدخل الوهم على من لم يتأمل في سياقه ، فبدر إليه الوهم ، ففهم خطأ في قول الشعبي : ولم تمد المسلمين بالخمسة ماجاء مبتوراً في الكلام الذي ساقه أبو حيان منسوباً إلى ابن عطية ومحكياً عن الشعبي .

وممن نقل إجماع المفسرين وأهل السير على شهود الملائكة غزوة بدر مدداً للنبي – صلى الله عليه وسلم – ولأصحابه استجابة لاستغاثتهم الإمام الرازي في تفسيره ( مفاتيح الغيب ) إذ قال : أجمع المفسرون وأهل السير على أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر ، ثم قاتلوا الكفار .

وكلام الرازي متضمن لقضيتين ، الأولى : قضية إنزال الملائكة يوم بدر ، وهي قضية مسلمة أجمع عليها أهل العلم من ذوي الشأن في العلم بالسنة وأحداثها ودلت عليها آيات الإمداد في سورتي الأنفال وآل عمران ، والعديد من الأحاديث والآثار والتي تشبه أن تكون في كثرتها متواترة الدلالة على المطلوب .

أما القضية الثانية : فهي أن الملائكة قاتلوا الكفار يوم بدر، وفي قضية اختلف فيها أهل العلم من السلف والخلف ، فلا ينسحب عليها ماذكره الرازي من إجماع المفسرين وأهل السير .

وقد ذكر الرازي إنكار أبي بكر الأصم إنزال الملائكة مددا للمؤمنين ، وذكر احتجاجه لإنكاره بأربع حجج ، ثلاثة منها منصبة على إنكار " مباشرة الملائكة القتال " والرابعة ظاهرة في إنكار نزول الملائكة ، وهذا مايجب رده وعدم قبوله ، وكذلك صنع الإمام الرازي : فقال : الحجة الرابعة أن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا إما أن يقال: إنهم كانوا أجساداً كثيفة أو لطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يراهم الكل ، وأن تكون رؤيتهم كرؤية غيرهم ، ومعلوم أن الأمر ماكان كذلك ، وإن كانوا أجساماً لطيفة دقيقة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة وقوة ، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول .

قال الرازي : واعلم أن هذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوة ، أما من يقرّ بهما فلا يليق به شيء من هذه الكلمات ، فما كان يليق بأبي بكر الأصم إنكار هذه الأشياء من أن نص القرآن ناطق بها ، وورودها في الأخبار قريب من التواتر ! . ورد الرازي على الأصم مسلم في إنكاره نزول الملائكة مدداً للمؤمنين في بدر ، أما قضية " أن الملائكة قاتلت الكفار " فهي موضع نزاع بين العلماء ، فلا ينسحب عليها حكم الإجماع الذي زعمه الرازي ، على أن رد الرازي على الأصم مجمل ولايخلو عن ضعف كما ألمح إلى ذلك صاحب المنار ، لأن الأصم أهدر أن المقام مقام إعجاز ، فحكم المألوف والعقل ولم يقم للأحاديث الصحيحة التي رؤيت فيها الملائكة في صور بشرية ، وأجل هذه الأحاديث صحة ومعنى حديث جبريل المشهور ، وقول النبي – صلى الله عليه وسلم – فيه : : ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) بعد أن ذهب ، ولم يعرفه أحد من الصحابة .

ومما يؤيد قول جمهور العلماء بإنزال الملائكة مدداً للمؤمنين في بدر أن قوله تعالى : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين . وماجعله الله إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) نزل في غزوة بدر ، كما هو قول جمهور العلماء .

وسياق هذه الآيات يرجح بدريتها ، لأنها جاءت في ترتيب التلاوة معاقبة لقوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) .

قال أبو حيان في ( البحر : : ظاهر هذه الآيات اتصالها بما قبلها ، وأنها من قصة بدر ، وهو قول الجمهور ، فيكون ( إذ ) معمولاً لنصركم ، ثم قال أبو حيان : وقيل : هذا من تتمة قصة ( أحد ) فيكون قوله : ( ولقد نصركم الله ببدر ) معترضاً بين الكلامين لما فيه من التحريض على التوكل والثبات للقتال .

وقد ذكر الإمام ابن القيم في ( الهدي ) الخلاف ، وحجج الفريقين ، ولم يرجح قولا على قول ، قال : فإن قيل : ها هنا – أي في سورة الأنفال – ذكر أنه أمدهم بألف ، وفي سورة آل عمران قال : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة نزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) فكيف الجمع بينهما ؟ قيل : اختلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف ، والذي بخمسة آلاف على قولين :

أحدهما: أنه كان يوم ( أحد ) وكان إمداداً معلقاً على شرط ، فلما فات الشرط فات الإمداد ، وهذا قول الضحاك ، ومقاتل ، وإحدى الروايتين عن عكرمة .

والثاني : أنه كان يوم بدر ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة والرواية الأخرة عن عكرمة ، واختاره جماعة من المفسرين .

وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك ، فإنه سبحانه قال : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة المنزلين ، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وماجعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ) .

قال هؤلاء :" فلما استغاثوا " أمدهم بتمام ثلاثة آلاف ، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف " لما صبروا واتقوا " وكان هذا التدرج ومتابعة الإمداد أحسن موقعاً ، وأقوى لنفوسهم ، وأسرّ لها من أن يأتي مرة واحدة ، وهو بمنزلة متابعة الوحي ، ونزوله مرة بعد مرة .

وقالت الفرقة الأولى : القصة في سياق أحد ، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضاً في أثنائها ، فإنه سبحانه قال : ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم . إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ([3]) ثم قال : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) فذكر نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة ، ثم عاد إلى قصة أحد ، فأخبر عن قول رسوله لهم : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا ، أمدهم بخمسة آلاف ، فهذا من قول رسوله ، والإمداد الذين ببدر من قوله تعالى ، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف ، وهذا معلق على شرط ، وذلك مطلق .

والقصة في سورة آل عمران هي قصة " أحد " مستوفاة مطولة ، و"بدر" ذكرت فيها اعتراضاً ، والقصة في سورة الأنفال قصة " بدر " مستوفاة مطولة ، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال .

يوضح هذا أن قوله : ( ويأتونكم من فورهم هذا ) وقد قال مجاهد ، هو يوم أحد ، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه ، فلا يصح قوله : إن الإمداد بهذا المدد كان يوم بدر ، وإتيانهم من ورائهم هذا يوم أحد .

ونقف مع الإمام ابن القيم عند قوله في الموازنة بين أدلة الفريقين : فهذا أي قوله تعالى : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ) من قول رسوله ، والإمداد الذي ببدر من قول لله تعالى ، لنتفهم مامعنى قول ابن القيم : هذا من قول رسول الله ، والإمداد ببدر من قول الله تعالى ، والآيات في إمداد بدر ، بألف ، وفي الإمداد المختلف فيه بين بدر وأحد كلها من قول الله تعالى ، وهي قرآن متحدى به ، متعبد به ، نزل به أمين الوحي جبريل عليه السلام على محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليبلغه لأمته ؟ فقول الله تعالى في سورة آل عمران : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ) لابد أن يكون الأمر فيه بالتبليغ ، والمعنى : اذكر لأصحابك مبلغاً لهم نعمتنا عليهم إذ تقول لهم مبشراً ومنشطاً بوحينا إليك ، حاكياً لهم تنزيلنا عليك ( ألن يكفيكم )- في التفوق على أعدائكم أن يمدكم ربكم – زيادة على ما أمدكم به من ألف مردفين بتمام ( ثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) فهو قول الله تعالى قطعاً كقوله : ( فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) على سواء ، وليس لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيه إلا التبليغ ، ثم وعدهم إن هم صبروا واتقوا أمدهم يتمام خمسة آلاف مسومين .

وهل مثل هذا يمكن أن يكون يمحض الاجتهاد من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ أو أنه من الأمور التي لامدخل فيها قط للاجتهاد ، بل لابد فيها من الوحي عن الله تعالى ، أن يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه بإخبار الله له ماحكاه عنه في صدر الامتنان والتثبيت ، وإزالة مامسهم من طائف الوحشة لملاقاة أعدائهم ، وتذكيرهم نعم الله عليهم ، ليقوموا بحق شكر هذه النعم التي لم تجر على مقتضى ربط المسببات بأسبابها طبقاً لنواميس السنن الكونية العامة في مجرى الأحداث ، ولكنها جرت بمحض فضل الله دون أن تعرف لها عندهم أسباب مألوفة في مدارك العقل ومألوف الحياة في نظامها العام .

وإذا صح أن يعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أصحابه تثبيتاً لهم وإخباراً بموعود الله له بالنصر مع قلة عدد أصحابة وضعف عدتهم بأن الله سيمدهم بمدد من عنده ، يبدد كثرة أعدائهم ويذهب بقوتهم المادية استجابة لاستغاثته واستغاثتهم ، فهل يملك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – باجتهاده أن يعين أن هذا المدد يكون من الملائكة فيخبر به أصحابه ؟ أو: لابد في هذا التعيين بأن هذا المدد من الملائكة من وحي الله له بذلك ، لأن جنود الله التي يمد بها عباده المؤمنين لينصرهم على أعدائهم لاتقتصر على الملائكة ( ومايعلم جنود ربك إلى هو ) .

وهل يملك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحديد عدد المدد بثلاثة آلاف ، ثم بخمسة آلاف إن تحقق شرط الصبر والتقوى ؟

وإذا كان لابد في كل ذلك من الوحي – وهو الواقع الذي يجب المصير إليه – كان ماأمر الله به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يقوله لاصحابه في قوله تعالى : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) هو قول الله تعالى مثل قوله جل شأنه : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائمة مردفين ) على سواء .

غاية ما في الأمر أن الإمداد بألف " المردفين " إخبار من الله تعالى بأنه استجاب لهم استغاثتهم فأمدهم بها ، وأن الإمداد بتمام هذه – الألف ثلاثة آلاف ، ثم إتمام هذه الثلاثة خمسة آلاف إن هم حققوا شرط الصبر والتقوى- وعد من الله تعالى أوحاه إلى رسوله – صلى الله عليه وسلم – ليبلغه إلى أصحابه بأسلوب تقريري يغسل ماألم بصدورهم من حالة تشبه اليأس ، ليستعيدوا ثباتهم ويستشعروا سمو مكانه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند ربه ، ويعرفوا رفيع منزلته ، وحفاوة الله به ، ورعايته في هذا الموقف الآزم بما لايمكن أن يقدر على إبداعه أحد إلا الله تعالى في عظيم اقتداره ومحكم تدبيره ، فحقق لهم على أعدائهم – وهم أكثر عدداً وأقوى عدة منهم ، ولهذا كانوا يتهيبون لقاءهم في الحرب – نصراً قوياً قاهرا ً غلاباً ، تردد صداه في آفاق أرض العرب قاصيها ودانيها ، فأرعب قلوبهم ، وأذل استكبارهم ، وطامن غرورهم ، إذ قتل فيه صناديدهم وأشرافهم ، وأرغم معاطس طواغيتهم وشغلهم عن ( لا ) و ( نعم ) ، وأذهلهم عن أنفسهم ، وكسر شوكتهم ، وغمز قناتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأرجف الأرض من تحتهم ، وبدلهم بأمنهم فزعاً ، وبصلفهم انكساراً ، وبعتوهم مهانة وهواناً ، وارتفعت به رؤوس المؤمنين شامخة ، وتثبيت أقدامهم راسخة ، وأصبحوا سادة الموقف ، وربابنة سفائنه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

" هل باشرت الملائكة القتال مع المؤمنين في بدر أو غيرها ؟ "

** الاختلاف في مباشرة الملائكة القتال مناصرة للمؤمنين في غزواتهم مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أشد وأوسع مدى من الاختلاف في أصل نزولهم مدداً ، وشهودهم المعارك لتثبيت المؤمنين ، وتبشيرهم بالنصر لتقوى عزائمهم وتشتد سواعدهم .

– وقد حققنا قضية إنزال الملائكة وإمداد المؤمنين بأعدادهم ، وحضورهم مشاهد القتال في غزوة بدر ، وبينا أن نزولهم مددا ً للمؤمنين في بدر أشبه بأن يكون مجمعاً عليه من سلف الأمة وخلفها ، وأن ماوقع من النقل عن بعض الأئمة من إنكار لنزول الملائكة وإمداد جند الله من المؤمنين بأعدادهم كان إما من قبل الشذوذ في النقل ، واشتباه لنصوص واضطرابات الروايات ، وذلك كالقولة المنسوبة إلى الإمام الشعبي ، أو كان من قبيل غلبة الأوهام على منطق العقل ، والوقوف مع الأسباب والمسببات التي تحكمها السنن العامة في وقوع الأحداث ، وذلك كالذي حكاه الرازي عن أبي بكر الأصم ، واحتج له بما لاحجة له فيه .

أما قضية مباشرة الملائكة القتال في صفوف المؤمنين ، وهي متفرعة على ثبوت نزولهم وإمداد المؤمنين بهم ، وشهودهم المعارك ، فقد اختلف فيها العلماء والباحثون من المفسرين وأهل السير:

* فقال قوم وهم الأكثرون وجمهور أهل العلم : إن الملائكة أنزلوا مدداً للمؤمنين وباشروا القتال معهم ، وقتلوا آحاداً من الكافرين ، وأسروا أفراداً منهم . كما ورد في حديث أسر العباس ، واستدل هؤلاء بظواهر آيات القرآن الكريم ، وبآثار وروايات كثيرة عن الصحابة الذين شهدوا بدراً أو حدثوا عمن شهدها .

* وقال آخرون : إن الملائكة أنزلو مدداً للمؤمنين في بدر ، وشهدوا معركتها ، ولكنهم لم يباشروا القتال ، بل كان إنزالهم لتكثير سواد المسلمين ، وتثبيتهم بما يلقونه في قلوبهم إلهاماً من بشائر النصر ، وتقوية عزائمهم ، وأن الله تعالى ناصر نبيه وأصحابه على جند الشيطان وأوليائه من أحلاس الشرك وعبيد الوثنية ، لتقوى النفوس المؤمنين وعزائمهم ويجترؤا على أعدائهم في القتال ، ولم تنزل لتباشر القتال ، ولو كان إنزالهم للقتال " لكان في وجود ملك واحد " يقاتل مع المؤمنين كفاية لتحقيق النصر ، وهزيمة الكافرين ، بل لإهلاكهم إهلاكاً تاماً ، فضلا عن جبريل عليه السلام الذي وصفه الله في كتابه المبين بأنه شديد القوى ، ذو مرة ، والذي تقول الروايات المشهّرة أنه اقتلع قرى قوم لوط من أصولها في الثرى ، وحملها على ريشة من جناحه بمن فيها ، وما فيها من أناسي وحيوان ، وبيوت وشجر وزورع وأمتعه حتى بلغ بها آفاق السماء ، وذرى الفضاء ، ثم قلبها ، فجعل أعاليها أسافلها ، وصاح بثمود وهي في ديارها صيحة واحدة جعلتهم كالرميم .

** وذهب أصحاب هذا الرأي في تأويل آيات الإمداد بالملائكة تأويلات صرفتها عن ظواهرها بغير ضرورة موجبة مما شتت الضمائر في أسلوب الآيات .

وقد ذكر أبو حيان في تفسيره ( البحر ) وجوها في نظم قوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) ليجعل قوله تعالى : ( سألقي في قلوب الذين كفروا ) خطاباً للمؤمنين عن طريق الملائكة على معنى : قولوا لهم : ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) وليتسنى جعل قوله تعالى : ( فاضربوا ) خطاباً تعليمياً للمؤمنين ، يعلمهم طريقة ضرب الكافرين لقتلهم أو تعجيزهم عن القتال ، وهذه وجوه يكنفها التعسف وتشتيت الضمائر مما يخل بالبراعة البيانية في القرآن الكريم .

– والحامل على هذا التعسف هو الفرار من إثبات مباشرة الملائكة القتال في صفوف المؤمنين اعتماداً على قصص لاتستند على سند صحيح ، وغفلة عن مقام الأحداث والوقائع ، وهي أحداث إعجازية ، لها سننها وقوانينها الخاصة التي لايلزمها التقيد بحال من الأحوال ، ولا تخضع لنظام السنن الكونية العامة التي تحكمها قوانين الأسباب والمسببات ، وإنما مرجعها إلى إطلاق مشيئة الله واقتداره وحكمه تدبيره .

– وقد ذكر الرازي في تفسير أن الملائكة نزلت في بدر ، وقاتلت الكفار، وقال : أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر ، وفيما سواه كانوا عددا ومددا ً ، لايقاتلون ولايضربون ، وهذا قول الأكثرين ، بيد أن الرازي الذي ينقل هذا الإجماع عن ذوي الشأن من المفسرين وأهل السير لم يقم لنقله وزناً ، وذهب مع الذين يزعمون أن الملائكة نزلت مددا ً للمؤمنين ولكنها لم تنزل لتقاتل ، بل نزلوا لتقوية عزائم المؤمنين ، لكنه لمح وهو يذكر اختلاف العلماء في مباشرة الملائكة القتال إلى أنهم لم يقاتلوا مستنداً إلى أن لفظ المدد الذي وصف به الملائكة مشعر بالمعاونة في القتال ، فقال في تفسير آيتي آل عمران : اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة ، فقال بعضهم : بالقتال مع المؤمنين ، وقال بعضهم : بل بتقوية نفوسهم ، وإشعارهم بأن النصر لهم ، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار .

– ثم قال الرازي : والظاهر في المدد – أي في مفهومه اللغوي والعرفي – أنهم – أي الملائكة الذين نزلوا مدداً للمؤمنين- يشاركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم ، ويجوز أن لاتقع الحاجة إليهم في نفس القتال ، وأن يكون حضورهم كافيا ً في تقوية القلب ، وزعم كثير من المفسرين أنهم قاتلوا يوم بدر ، ولم يقاتلوا في سائر الأيام .

وقول الرازي : إن وقعت الحاجة إليهم ، مؤذن بأنهم قاتلوا في يوم بدر لأن الحاجة إلى مشاركتهم للمؤمنين بالقتال معهم كانت في بدر واقعة وماسة ، تدعو إليها ضرورة الموقف إذ كان عدد المؤمنين قليلاً ، وكانت عدتهم ضعيفة إلى جانب عدد أعدائهم وقوتهم المادية التي كانت وافية وافرة ، وكان الخوف من ملاقاتهم وهم في هذا العدد والعدة مستولياً على بعض المؤمنين الذين خرجوا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وهم كارهون للقتال ، فكانت الحاجة داعية إلى تطلع المؤمنين أن يمدهم الله بمدد من عنده ، فاستغاثوه مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فاستجاب لهم ووعدهم بإمدادهم بألف من الملائكة ، وقد دلت الآثار على أن الملائكة نزلوا في صور بشرية ، ليأنس بهم المؤمنون وتقوى عزائمهم ، ونطمئن قلوبهم إلى نصر الله وعونه .

– أما أوهام أبي بكر الأصم وتخيلاته التي تشبث بها في إنكاره نزول الملائكة وقتالهم الكفار مع المؤمنين كما حكاها عنه الرازي فهي أوهام واهية ، وتخيلات متهافتة ، لأن الملائكة لم ينزلوا في صورهم وهيئاتهم التي خلقهم الله عليها ، ولم يقاتلوا بقواهم الملائكية ، وإنما نزلوا وقاتلوا بقوى بشرية تأنيساً للمؤمنين ، ونقوية لعزائمهم كما تدل عليه الآثار الكثيرة .

والمؤمنون عرفوا نزول الملائكة بإخبار النبي – صلى الله عليه وسلم – لهم عن الله تعالى ، وعرفوا قتالهم معهم بمشاهدة آثار قتال المؤمنين ، وسماعهم أصوات آلات ضرب الملائكة وتحريضهم كما في حديث : ( أقدم حيزوم ) الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل ، عن ابن عباس قال : بينا رجل من المسلمين يسند في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس : أقدم حيزوم ، إذ نظر إلى المشرك أم

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#كشف رحيق الواقعة- كم نحن بحاجة لمثل هذا في عصرنا الذي كثر فيه الهدامون والعابثون بأحكام الشريعة حتى سمعت أن هناك من يدعو لإلغاء الميراث ، وإلى الحج عبر الزووم!!! Online هزلت والله* من لطائف العلامة المختار ابن بونا رحمه الله المتوفى سنة 1220 هجرية أن رجلا قال ذات يوم لزوجه وقد سألته شيئا: “لك ما أحببتِ”، فأخذت ثلاث تطليقات، ثم بكت.- فقام يطلب فتوى من علماء زمنه في هذا فكلهم أفتى بالتحريم، حتى أتى المختار بن بونا فقص عليه القَصَصَ، فقال له: لم تطلَّق واحدة أحرى ثلاثا، إنما أعطيتها ما أحبتوما رضيت، والثلاث لا تحبها ، ولا ترضَى بها، وهي محبة لك ، والدليل على ذلك بكاؤها.- ولما بلغ ذلك تلميذَه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي قال: إن ابن بونا يأخذ من مآخذ لا يُأخذ منها غيره لجودة فهمه. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#المروءة سلوك راق- من القيم التي نهضت بها الأمة وتسنمت بها قمة العطاء * قَالَ الأحنف بن قيس: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُوْنَ، قَالُوا فِيْهِ مَا لَا يَعْلَمُوْنَ.- ولما سُئِلَ: مَا المُرُوْءةُ؟ قَالَ كِتْمَانُ السِّرِّ ، وَالبُعْدُ مِنَ الشَّرِّ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#عبارة للتقويم ولكم حرية النقض** لعل هذه العبارات قرأتها في كتاب الرافعي ولست متأكداً ، فهل يرى القاريء فيها ما لا يصلح :* الغصن الذي يقطع شجرته- قصدت به الفرد ينفصل عن المجتمع بدسيسة ما ، ويعمل على تقويضه* لعن الله الشجرة التي تشتم ساقيها- أردت به الولد الذي يعق والديه ، ويشتم ، وينتقص ، ويقبح ، ويزدري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#حوار مع السحب* نظرت إلى السماء فإذا بسحب تغطي جانباً من زرقتها الخلابة ، فانبعث فيّ تساؤل لم أكتمه بل توجهت به على السحب : أأنت مما قال الله -جل جلاله- عنك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}(1)* أو أنت من المعصرات اللاتي يجئن بما تزدهي به الأرض بثوب العروس ثوبها الزهري ، وتبتهج ، فقال عنها رب العزة والجلال: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16)} (2)* أم أنك - لا سمح الله - التي نزل بها قوله -تعالى- وكان بك العذاب على من تمرد على مالك الملك {فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24)}(3)- عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} قَالَ: " الْمُعْصِرَاتُ: الرِّيَاحُ "- قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً } قال: المعصرات: السحاب يعصر بعضها بعضا فيخرج الماء من بين السحابتين.** سارعت لتطمئن وعللت بأن هذه الأمة محمية من مثل هذا ما دامت على المحجة التي تقلتها عن التابعين عن الصحابة عن الرسول عن الله سبحانه (1) سورة النور(2) سورة النبأ (3) سورة الأحقاف ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#الرفيق الذي لا يصلح للصحبة- ضرب الأمثال من أوجه جمال لغتنا الأثيرة- الأمثال في لغتنا أسلوب في التعبير عن حالة ، أو واقعة لها بصمة في نفس صائغ المثل- لكل مثل مضرب يكون فيه سبب الإنشاء مماثلاً أو مقارباً لسبب الإعادة ، وما قالوا من الأمثال :* " لَا يَصْلُحُ رَفِيْقَاً مَنْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَاً"- يضرب لمن يَكْظِمْ الغَيْظَ ونصب "رفيقاً" على الحال، وأراد بالريق ريقَ الغَضب. ...
View on Facebook (opens in a new tab)