الثلاثاء 2 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 15 سبتمبر 2026م

تابع … دفين الملائكة ( عامر بن فهيرة ) .. 2

وتروي السيرة أن جمعاً من الصحابة المهاجرين أصيبوا بالحمى عقب الهجرة ، بسبب الوباء الذي كان في المدينة ، واشتدت عليهم الحمى ، كما اشتد بهم الحنين إلى موطنهم الأول مكة ، ومن هؤلاء أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة ،وتروي السيدة الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها أنها سألت عامراً وهو محموم فقالت : كيف تجدك ياعامر ؟

فأجابها وهو يعاني ما يعاني من أوجاع الحمى :

لقد وجدت الموت قبل ذوقه        إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه

ولما أخبرت عائشة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا قال : ” اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد ” .

وكذلك كان ، ولله في خلقه  شئون .

وآخى الرسول بين عامر والحارث بن الصمة المجاهد الشهيد الذي نال نعمة الشهادة مع عامر في معركة واحدة وفي يوم واحد .

وشهد عامر غزوة بدر ، وأبلى فيها بلاء حسنا، وشهد غزوة أحد ، واحتمل فيها احتمالاً مشكوراً ، وفي شهر صفر من السنة  الرابعة للهجرة بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرية فدائية إلى مكان يسمى ” بئر معونة ” وهو يقع بين أرض بني عامر وحرة بني سليم .

وكانت السرية مكونة من عشرات  من المجاهدين ، قيل إنهم كانوا سبعين ، وكان هؤلاء من المشهورين بالعبادة وتلاوة القرآن الكريم ، حتى كان يقال عنهم : ” القراء ” حيث إنهم كانوا يجتمعون ليلاً على الصلاة وقراءة القرآن المجيد ، وفي النهاركانوا يعملون ويحتطبون ، وكان من بينهم بطلنا عامر بن فهيرة ، وفي السيرة حدث عنهم من يعرف بهم وبأحوالهم فقال : 

الَّذِينَ كُنَّا نُسَمِّيهِمْ ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرَّاءَ ، وأَنَّهُم كَانُوا سَبْعِينَ ، فَكَانُوا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ، انْطَلَقُوا إِلَى مُعَلِّمٍ لَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، فَيَدْرُسُونَ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحُوا ، فَإِذَا أَصْبَحُوا ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ ، اسْتَعْذَبَ مِنَ الْمَاءِ ، وَأَصَابَ مِنَ الْحَطَبِ ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ سَعَةٌ ، اجْتَمَعُوا فَاشْتَرَوُا الشَّاةَ وَأَصْلَحُوهَا ، فَيُصْبِحُ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِحُجَرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -

وشاء الله تعالى أن يذوق هؤلاء المجاهدون ابتلاء شديداً ، وأن ينالوا شهادة مجيدة في سبيل الله عزوجل ، إذ خرجت عليهم جموع من أحياء رعل وذكوان وعصية ، واعملوا فيهم القتل بخيانة وغدر . ولما رأى المجاهدون أن مصيرهم القتل ،قال قائلهم :اللهم إنا لا نجد من يبلغ عنا رسولك السلام غيرك،فأقرئه منا السلام، اللهم بلغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ، ورضيت عنا “ش

واستجاب الله تعالى للدعاء ، فأبلغ رسوله – صلى الله عليه وسلم – مصير هؤلاء ، فجمع النبي الصحابة ، وأخبرهم الخبر ، ثم قال : ” فأنا رسولهم من الله إليكم ، إنهم قد رضوا عن الله ، ورضي الله عنهم ” .

وكان ممن ذاق طعم الشهادة يومئذ المجاهد البطل عامر بن فهيرة ، طعنه رجل يسمى جبار بن سلمى الكلابي ، فقال عامر حينما أصابته الضربة القاتلة : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة . وفي رواية ثانية : أنه َأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا ، خَالَ أَنَسٍ ، مِنْ خَلْفِهِ ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ ، فَقَالَ حَرَامٌ : فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،

واسمتع جبار القاتل إلى العبارة التي رددها عامر الشهيد ، فلم يفهم معناها . لماذا قال : الله أكبر ؟ وأين يفوز الذي فاز به ؟ ألم يذق الموت ويترك الحياة إلى التراب ؟ .

وذهب الرجل يسأل ، فقيل له إن عامراً يقصد بقوله هذا أن الله قد أكرمه حينما رزقه نعمى الشهادة في سبيله ، وأنه سبفوز بنعيم الجنة في الدار الآخرة .

وانبهر ” جبار ” من هذا اليقين الغامر ، وهذا الإيمان السابغ ، وأخذ يفكر ويفكر ، وكأن عامراً أطل عليه  من عليائه من عالم الخلود ، وأشار إليه ناصحا نصيحة صاغها الموقف الرباني الذي نبض بيقين متوهج:

ياجبار ، أقلع عن كفرك وعنادك . إن الباب لا زال مفتوحا أمامك ، فادخل في دين الله تبارك وتعالى تكن من الفائزين .

وشرح الله صدر ” جبار ” للإسلام ، فاهتدى وأعلن إسلامه ، وقال فيما قال عن سبب هذا الإسلام : إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه ، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره ، فسمعته يقول : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة ، فقلت في نفسي : مافاز ؟ ألست قد قتلت الرجل ؟! حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا : إنه يعني الشهادة ، فانشرح صدري للإسلام وقلت : صدق والله ، فاز والله !.   

ثمة تتمة …..

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#كشف رحيق الواقعة- كم نحن بحاجة لمثل هذا في عصرنا الذي كثر فيه الهدامون والعابثون بأحكام الشريعة حتى سمعت أن هناك من يدعو لإلغاء الميراث ، وإلى الحج عبر الزووم!!! Online هزلت والله* من لطائف العلامة المختار ابن بونا رحمه الله المتوفى سنة 1220 هجرية أن رجلا قال ذات يوم لزوجه وقد سألته شيئا: “لك ما أحببتِ”، فأخذت ثلاث تطليقات، ثم بكت.- فقام يطلب فتوى من علماء زمنه في هذا فكلهم أفتى بالتحريم، حتى أتى المختار بن بونا فقص عليه القَصَصَ، فقال له: لم تطلَّق واحدة أحرى ثلاثا، إنما أعطيتها ما أحبتوما رضيت، والثلاث لا تحبها ، ولا ترضَى بها، وهي محبة لك ، والدليل على ذلك بكاؤها.- ولما بلغ ذلك تلميذَه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي قال: إن ابن بونا يأخذ من مآخذ لا يُأخذ منها غيره لجودة فهمه. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#المروءة سلوك راق- من القيم التي نهضت بها الأمة وتسنمت بها قمة العطاء * قَالَ الأحنف بن قيس: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُوْنَ، قَالُوا فِيْهِ مَا لَا يَعْلَمُوْنَ.- ولما سُئِلَ: مَا المُرُوْءةُ؟ قَالَ كِتْمَانُ السِّرِّ ، وَالبُعْدُ مِنَ الشَّرِّ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#عبارة للتقويم ولكم حرية النقض** لعل هذه العبارات قرأتها في كتاب الرافعي ولست متأكداً ، فهل يرى القاريء فيها ما لا يصلح :* الغصن الذي يقطع شجرته- قصدت به الفرد ينفصل عن المجتمع بدسيسة ما ، ويعمل على تقويضه* لعن الله الشجرة التي تشتم ساقيها- أردت به الولد الذي يعق والديه ، ويشتم ، وينتقص ، ويقبح ، ويزدري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#حوار مع السحب* نظرت إلى السماء فإذا بسحب تغطي جانباً من زرقتها الخلابة ، فانبعث فيّ تساؤل لم أكتمه بل توجهت به على السحب : أأنت مما قال الله -جل جلاله- عنك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}(1)* أو أنت من المعصرات اللاتي يجئن بما تزدهي به الأرض بثوب العروس ثوبها الزهري ، وتبتهج ، فقال عنها رب العزة والجلال: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16)} (2)* أم أنك - لا سمح الله - التي نزل بها قوله -تعالى- وكان بك العذاب على من تمرد على مالك الملك {فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24)}(3)- عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} قَالَ: " الْمُعْصِرَاتُ: الرِّيَاحُ "- قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً } قال: المعصرات: السحاب يعصر بعضها بعضا فيخرج الماء من بين السحابتين.** سارعت لتطمئن وعللت بأن هذه الأمة محمية من مثل هذا ما دامت على المحجة التي تقلتها عن التابعين عن الصحابة عن الرسول عن الله سبحانه (1) سورة النور(2) سورة النبأ (3) سورة الأحقاف ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#الرفيق الذي لا يصلح للصحبة- ضرب الأمثال من أوجه جمال لغتنا الأثيرة- الأمثال في لغتنا أسلوب في التعبير عن حالة ، أو واقعة لها بصمة في نفس صائغ المثل- لكل مثل مضرب يكون فيه سبب الإنشاء مماثلاً أو مقارباً لسبب الإعادة ، وما قالوا من الأمثال :* " لَا يَصْلُحُ رَفِيْقَاً مَنْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَاً"- يضرب لمن يَكْظِمْ الغَيْظَ ونصب "رفيقاً" على الحال، وأراد بالريق ريقَ الغَضب. ...
View on Facebook (opens in a new tab)